بعد اخضاع الأراضي المصرية وبلاد الشام تحت حكم العثمانيين في عام 1517، نجح العثمانيون في تحويل مقر الخلافة من القاهرة المملوكية إلى إسطنبول العثمانية. إن اضمحلال دور مصر الإقليمي سياسياً وعسكرياً بعدما أصبحت ولاية تابعة للإمبراطورية العثمانية، عنى أنها لم تعد رائدة المنطقة في جميع الجوانب الإقتصادية والإجتماعية والثقافية. استفردت مصر بدورها كحاضرة وعاصمة لعدة خلافات وممالك إسلامية على مدار أربعة قرون، مثل الخلافة الفاطمية والسلطنة الأيوبية والسلطنة المملوكية. كانت مصر هي الملاذ الآمن للعلماء والمفكرين والحرفيين، خاصة بعد سقوط الدولة العباسية واجتياح جيوش المغول والصليبيبن المنطقة، واحتلالها وعيث الفساد بأرضها والبطش بأهاليها. بعد صعود المماليك لسدة الحكم في الشام ومصر لمدة لا تقل عن 300 عام، كانت هذه الفترة بمثابة العصر الذهبي في مصر.
إن الملابس التي ترتديها الطبقات النخبوية عرضة أكثر للتبدل وأسرع في التقلب، حسب التغير في من يملك مقاصد السلطة، خاصة لو كان الحاكم من أصول عرقية أخرى. فمن المعروف أن المغلوب يتطبع بأساليب وثقافة الغالب، فمثلاً عندما فتح العرب الأمصار، بدأ المسلمون الجدد في تلك الدول بالتطبع بطباع وملبس العرب الفاتحين. على عكس الملابس التي يرتديها عموم الشعب، التي تتسم بالجمود ولا تتأثر بالمتغيرات الأجنبية بسهولة.
فرض التبديل في النظام الحاكم بعد سقوط المماليك على طبقات الخاصة ومسؤولين البلاط في المناطق التي أصبحت تحت سطوة العثمانيين، أن يتجردوا من الأزياء المملوكية ويرتدوا الأزياء العثمانلية. على رغم أن أغطية الرأس المملوكية حظيت بصحوة لفترة وجيدة حتى بعد صعود العثمانيين لسدة الحكم، إلا أنها انمحت تماماً واستبدلت بالعمامة والقفطان العثماني.
كانت طرز الأزياء العثمانلية هي السائدة في البلاد العربية حتى سقوط الإمبراطورية في عام 1920. من الواضح أن الأزياء النسائية في مصر منذ القرن 16 ميلادي، خاصة أزياء نسوة الطبقات العليا في القاهرة، بدأت تتبع طرز الأزياء التي كانت ترتديها مثيلاتهن التركيات في اسطنبول، على عكس النساء من عامة الشعب أو من طبقة الفلاحين، والتي كانت تشكل الغالبية العظمى من الشعب المصري كانت ملابسهن أكثر “تقليدية” أو أكثر تمصراً.
مع انتهاء الدولة المملوكية انتهي آخر معاقل المدرسة العربية التصويرية؛ وترتب عليها انتهاء الإرث الفني والتصويري في مصر والعالم العربي، الذي كان مهماً في استشفاف أنماط الملابس المعاصرة في عصور دولة المماليك والفاطميين السابقين.
من تبعات ضم الأراضي الشامية والمصرية وغيرها من البلاد المجاورة تحت سلطة العثمانيين، استتباب الأمن والأمان في المنطقة وتسهيل أمور السفر والترحال. إن فترة صعود العثمانيون تزامنت مع بدء عصر النهضة في أوروبا وعصر الاستكشافات، الذي بحث فيه الأوروبيون عن طريق آخر للتجارة بعيداً عن طرق البحر المتوسط وطريق الحرير الذي كان يسيطر عليه المسلمين، مما أدى إلى اكتشاف القارتين الأمريكيتين واحتلالهما، بالإضافة إلى الاستكشافات في القارة الأفريقية وأقصى الشرق، مما أدى لاكتشاف طريق الرجاء الصالح.
عمل السلطان العثماني سليم الأول على توفير الأمان للرحالة والتجار والحجاج النصارى القادمين من الغرب ومع ظهور المطبعة الورقية في منتصف القرن الخامس عشر توافرت الظروف التي أدت إلى تدفق المستكشفين الأوروبين إلى بلاد المشرق وانتشار كتاباتهم وملاحظاتهم التي رأواها ودونوها في كتب الترحال عن عادات وتقاليد ومعتقدات تلك الشعوب وحتى أنهم قاموا بتذييل هذه الملاحظات ببعض من التصاوير، منها تصاوير تبين أشكال الملابس التي كان يرتديها أهل الشرق في ذلك الوقت. كان لهذا الانفتاح على العالم الإسلامي والشعوب الأخرى دور في ظهور نوع من الأدب في الغرب يسمى أدب طرز الأزياء أو ال costume book. وهو بمثابة أطلس أنثروبولوجي يتيح للقارئ الأوروبي الإطلاع على ثقافات وطبائع وملابس الشعوب غير الأوروبية.
كان من نصيب العالم الإسلامي أن يصبح موضوع اهتمام وفضول العقل الأوروبي. هذا أدى إلى معرفة ضروب الملبس الشائعة في تلك العصور من المنظور الأوروبي والاستفادة من طرقهم الفنية التي تتسم بالواقعية والطبيعية على غرار الفنون الشرقية التي تكون أكثر تجريدية ورمزية.
بدأت هيمنة العثمانيين وشدة بأسهم بعد فتحهم للقسطنطينية عام 1453، حيث كانت هذه بداية لأكثر العصور الإسلامية تأريخاً وتصويراً من ناحية كتابات المؤرخين سواء أتراك أو عرب وغير مسلمين، أو الرسومات واللوحات التي رسمها الرحالة الأوروبيين حول ملابس العثمانيين، وهذا لم يكن موجودا في فترة الخلافات الإسلامية في العصور الوسيطة. من حسن حظنا أن كتابات المؤرخين الغربيين ورسوماتهم عن أزياء الإمبراطورية العثمانية وافرة بشكل جيد، فنستطيع أن نتعرف على ضروب الأزياء المنتشرة في ذلك الوقت. بجانب أن هناك العديد من قطع الملابس الأثرية التي كانت تخص سلاطين العثمانيين ونساؤهم ترجع للقرن السادس عشر وما بعده، مازالت محفوظة في المتاحف التركية في إسطنبول.
إن الملابس هي مظهر من مظاهر التمييز العرقي أو الديني أو الاجتماعي. إن العالم الإسلامي رغم مسماه، لم يقطنه المسلمون فحسب، بل كان يشمل العديد من الجماعات العرقية والدينية بمختلف الطوائف والمذاهب. انطوى تحت راية الدولة الإسلامية من غير المسلمين مثل اليهود والمسيحين بمختلف مذاهبهم والسامريين والصابئين والزرادشتيين والدروز والآراميين والسوريان والأقباط والأمازيغ والفرس والكرد والعرب والروم والأرمن والترك واليونانيين إلى جانب المسلمين بالغالبية السنية ثم المذهب الشيعي بمختلف مذاهبه الفرعية. كانت جميع هذه القوميات والجماعات ترتدي زياً خاصاً بها ولها أسلوب في تنسيق وترتيب الملابس حسب الاعتبارات الدينية والاجتماعية والسياسية.
ويُحسَب لهؤلاء الرحالة والمؤلفين الأوروبيين على نقل التباينات في ملابس مختلف العرقيات والثقافات والديانات التي كانت تعيش في الأراضي العثمانية.
أزياء الطبقات العليا في العصر العثماني
إن ملابس السلاطين العثمانيين وتشاريفهم هي انعكاس لجبروتهم وهيمنتهم على حوض البحر الأبيض المتوسط وسلطتهم السياسية التي امتدت عبر ثلاث قارات. ارتدى السلاطين والوزراء ومسؤولين الديوان السلطاني ملابس مكونة من عدة طبقات وكل طبقة من أفخر أنواع الأقمشة، بل إن قفاطينهم التشريفية التي كانوا يرتدونها خلال جلسات الديوان والمراسم السلطانية والمقابلات الدبلوماسية، محبوكة من أفخر أنواع الديباج والدمقس والمخمل والأطلس والتافتا والموهير من العربية (المُخَيَّر) والكاشمير.
كانت ملابس نساء السلطان العثماني بدءاً من والدة الخليفة وزوجاته وبناته وحريمه إلى الوصيفات والمستخدمات، لا تختلف في مظهرها عن العظمة والأُبهة التي كانت عليها ملابس الرجال، إلى جانب ما كانت ترتديه النساء من الحلي وأغطية الرأس ومشطات الشعر. من طبيعة الحال أن النساء اللواتي كن يعشن في الولايات العثمانية كن مولعات بتلقيد طرز الأزياء والتقاليد الحديثة التي تأتي من العاصمة، خاصة في القاهرة، لا سيما أنها كانت ثاني أكبر مدينة عثمانية بعد إسطنبول في السعة والكثافة السكانية، وكانت أهم ولاية عثمانية ومدينة إسلامية من حيث موقعها الجغرافي وتاريخها الحضاري وثقلها السياسي.
إن الزي التقليدي لأي إمرأة عثمانية في القرن السادس عشر يتكون من عدة طبقات ترتديها المرأة داخل منزلها وترتدي فوقها بضع من الطبقات الإضافية عند خروجها من المنزل. ترتيب الطبقات من الداخل إلى الخارج؛ يبدأ بالملابس الداخلية التي كانت تشبه الملابس الداخلية التي كانت تلبسها النساء في العصور الإسلامية السابقة لكن مع اختلاف المسميات. أول طبقة هو القميص الداخلي أو الغلالة ويسمى بالتركية بالجومليك/الغومليك ثم السروال الداخلي ويسمى بالتركية دون أو تشاكشير وكان من أقمشة ناعمة وخفيفة. كان الموسرين يلبسون التشاكشير المصنوع من الحرير المضلع أو المطبوع، أو مزيج من الحرير والقطن، أما الطبقات العامة كانت تلبس سروايلها من قطن الكرباس.

الطبقة الوسطانية التي تأتي مباشرة بعد الملابس الداخلية هي عبارة عن قفاطين متشابهة في الشكل والخياطة لكنها كانت بأطوال أكمام مختلفة و أطوال الذيل مختلفة أيضاً. أولاً، اليلك وهو قفطان يصل لتحت منطقة العانة وقفطان آخر يسمى الأنتاري وهو قفطان طويل يغطي الرجلين. كانت هذه القفاطين الداخلية تتمنطق عليها المرأة بحزام أو شال عند الخصر. الطبقة الأخيرة والخارجية التي ترتديها المرأة خارج المنزل كانت قفطاناً خارجياً او معطف خارجي طويل وواسع الأكمام يسمى الفراجة (تأتي من العربية الفرجية وهو ثوب سابغ مشقوق من الأمام).
باستثناء الطبقة الخارجية المثبتة ألا وهي الفراجة، فإن المرأة كان أمامها العديد من التراكيب والترتيبات بين القفاطين. بوسع المرأة أن ترتدي قفطاناً واحداً أو اثنان أو ثلاثة، وكل واحد بطول كم مختلف وطول ذيل مختلف، حسب ذوقها الشخصي أو المناسبة أو الرسمية. كان هناك أحياناً أكمام منفصلة تكون مزينة ومزركشة تلبسها المرأة في معصمها تحت أحد القفاطين قصيرة الكم.

ملابس المصريات من الطبقات العليا في العصر العثماني
ونتيجةً للغزو العثماني لجزء كبير من البحر الأبيض المتوسط، ترسخت الرحلات الدينية للحجاج الأوروبيين والرحالة المستكشفين الأوروبيين إلى الأراضي المقدسة (عبر مصر). فإلى جانب القدسية الدينية للأراضي المقدسة عند الغرب المسيحي، كانت مصر نفسها تشغل أهمية روحية ودينية كبيرة في المخيلة المسيحية. وظل ارتباط مصر في الكتاب المقدس بخروج اليهود من مصر في العهد القديم وقصة هروب العائلة المقدسة إلى مصر، والحج إلى المواقع الرهبانية في مصر، وخاصة دير القديسة كاترين في سيناء، ذا أهمية في الغرب اللاتيني.
وبدءًا من القرن السادس عشر فصاعدًا، بدأت يظهر فيض من الروايات عن أزياء النساء المصريات في مدونات الرحلات الأوروبية.
عندما نفحص الرسومات التي رسمها الرحالة الفرنسي بيير بيلون والتي تصور نساء مصريات في ملابسهن التي يرتدونها فيتم نشر أول وصف للملابس النسائية في مصر العثمانية لأول مرة في كتاب بيير بيلون عام 1553، Les Observations de plusieurs Singularitez etختارات الذكريات، trouvees en Grece، Asie، Judée، Egypte، Arabie & autres pays estranges. داخل المنزل وخارجه، نلاحظ تشابهاً كبيراً بينها وبين ملابس النساء في اسطنبول. يقول بيلون أنه عندما وصل القاهرة ورأى منظر المصريات المنتقبات من عامة الشعب لم يعجب بمظهرهم خاصة شكل النقاب الذي عليهم. لكنه يقول أن النسوة من الطبقات العليا يلبسن ملابسهن على هيئة إسطنبول. على الرغم من أننا لانستطيع أن نستشف ما ترتديه النساء تحت معاطفهن (الفراجة) في الرسومات التي رسمها بيلون، لكننا نستطيع أن نستنبط أنها كانت مماثلة لما كانت ترتديها العثمانيات في اسطنبول مثل اليلك أو الأنتاري. ويكون تحت القفاطين قميص داخلي (جوملك) وسروال (تشاكشير/دون). أردف بيلون أيضاً صورة لأمرأة تركية من آسيا في ملابسها الخارجية.

وَثَّقَ الرحالة الألماني سلومون شويجر أشكال الملابس النسائية التي رآها في اسطنبول وفي الولايات العثمانية مثل مصر والشام في بداية القرن السابع عشر خلال رحلته للشرق. كتب شوينجر عن ملابس العثمانيات بالتفصيل وذَيَّلَ كتاباته بتصاوير دقيقة وشافية. كانت هذه التصاوير أساسية في فهم أشكال الملابس الشائعة في الإمبراطورية العثمانية، سواء كانت داخلية أو خارجية، وبالتالي معرفة الملابس التي كانت ترتديها المصريات في القاهرة، والتي لم تظهر بشكل كامل في رسومات بيلون.
على الرغم أن رحلة شويجر أتت في أوائل القرن السابع عشر، لكن نظراً للاستمرارية والجمود التي تتطبع بها ملابس الشرقيون وبالاطلاع على التصاوير والمنمنمات العثمانية في تلك الحقبة، نجد أن الملابس النسائية لم تتغير تغيراً جذرياً وأن المصريات المترفات ومن ذوات اليسار في القاهرة كن يرتدين مثل مثيلاتهن في اسطنبول.
بدأ شويجر بوصف ملابسهن بدءاً من الطبقات الداخلية:
“إن مما أوردناه في الأسفل يصف ملبس المرأة التركية من أخمص قدميها لرأسها: (أ) على جسدها العاري ترتدي سروالاً واسعاً ولامعاً من حرير أو كتان رقيق.
(ب) ترتدي فوق السروال قميص أصفر/أزرق/خام من حرير أو كتان/ على رأسها ترتدي كوفية من حرير/على شكل قبعة الاستحمام/ وتضفر شعرها في ضفيرة واحدة وتضعها في خرقة من حرير ذهبي أو أقمشة غالية مثلها /كما هو موضح هنا /وترسل بضع من شعيراتها على وجهها /وهي واقفة وتنتعل في قدميها حذاء خشبي /مقصب أو مطلي بالفضة ورقائق حديدية أخرى. (ج) فوق القميص تلبس رداء خارجي محشي. وتنتعل خف طويل يصل لركبتيها وعلى رأسها قبعة وعليها عصابة سوداء.
وعلاوة على ذلك فإن في الصورة (ه.و) ترتدي الفتاة رداء طويل يصل لقدميها من الحرير أو الساتان (يقصد القفطان) والقبعة مطلية بالذهب وعليها لآلئ /أصغر زوج حذاء لا يتجاوز سعره ثالار واحد (عملة ألمانية في القرن السادس عشر) /المعطف الخارجي من قماش إنجليزي وتتحلى بمجوهرات في رقبتها ومعصمها! عادة تكون أساور /إلى زائد الأقراط والخواتم المطعمة بالفصوص. ويعلقون على أوساطهم قطعة قماش.
(ز) يحتجبون بقناع أسود مشعر فوق العينين/بحيث لا يراهم أحد/ مثل ما روي عن فاما وديوبونا/ اللتان بلغت منهما العفة والحشمة مبلغاً كبيراً لدرجة أنه لم يراهن أحد طوال فترة حياتهما. لا يراهم أحد من السادة الكبار أو مسؤولي البلاط أو الخدم وتكون حجراتهم مغطاة بستور على الجانبين تمتد إلى (…) حتى لا يراهم أحد.
لا يختلف الرجال عنهم في التأنق. فظاهرياً تتشابه ملابس الرحال والنساء ولا يوجد اختلاف بينهما. وملابس الأطفال لاتقل عن ملابس الكبار في جمالها ورونقها وتكون مزكشة ومذهبة كذلك.”
زار الرحالة الهولندي کرنلیوس دبروین القاهرة عام 1698 وعلق هو الآخر عن تشابه ملابس سكان القاهرة بالاتراك في اسطنبول، على الرغم من اختلاف أصولهم العرقية:
“إن زي [العربيات] لونه مثل لون الأتراك ومساوٍ له في الزركشة والتزويق: إن صدرياتهم أو تنانيرهم مزررة بزرارين، أحدهم أكبر من الآخر، الكبير يكون مطاول والصغير مدور: انظر إلى الشكل رقم 91. عندما يخرجون يلتحفون بملحفة بيضاء كتانية فوق رأسهم وجميع بدنهم ويبرزون فقط عين واحدة لينظروا منها مثلما تفعل الأسبانيات. إن عادات اليهود في هذه البلاد تشبه ما في الصورة رقم 92. عمائمهم موشحة بأشرطة زرقاء اللون وبقية الملابس بلون بنفسجي وهم ملزمون بهذا اللباس لأنه من شعارات [أهل الذمة] لكن باستثناء ذلك لا يوجد تفرقة بين ملابسهم وملابس الترك.
على رأس النساء اليهوديات كما هو موضح في رقم 93. عَمْرَةُ رأسٍ كبيرة وطويلة، وتضفر شعرها بقماش أبيض وبني مطرز بالذهب والفضة. إن ملابسهم عادة ما تكون من حرير مقلم أو مخطط. المرأة التي رسمتها هنا تجلس على مجلسها وتدخن الغليون مثل عادة المصريين والتي أوردنا تفاصيل عن أنواعه هنا.”
تؤكد كتابات الرحالة ريتشارد بوكووك التشابه بين ملابس أهل القاهرة واسطنبول عام 1743. علق الكاتب الإنجليزي الأصل في كتابه “في وصف الشرق ودول أخرى” عن ملابس النساء المصريات وقال: “إن الملابس النسائية على شاكلة الطرز الإسطانبولي ولا تختلف كثيراً عن ملابس الرجال. المختلف هو الملابس الداخلية والسراويل التي تكون من حرير، بالإضافة للصدريات التي ترتديها النساء أقصر من الرجال والأكمام تنسدل للأسفل وعليهن قميص تحتاني من قماش يشبه الشاش يصل إلى الأرض. إنهن يغطين رؤوسهن بمناديل مطررزة وشعورهن مضفرة على دوران الرأس ويلبسن طاقية فوق الشعر.”
الرسومات الواردة في الأسفل التي رسمها بوكووك تصور أربع سيدات مصريات وسيدة عربية. السيدة العربية ترتدي الزي التركي وهو الزبن أو القفطان، فوق قميص داخلي، فوق سروال مخطط وتحتجب بطرحة فوق رأسها. تجمع شعرها في ضفيرة واحدة وتضعها في خرقة (مثل العثمانيات كما ورد عند شويجر) وتزين شعرها بحلية متدلية في الأسفل مثل القرامل. رسم بوكووك المرأة العربية سافرة الوجه على عكس المصريتين.
المرأة المصرية التي تمتطي الحمار من القاهرة ولهذا فهي تتبع صيحات الأزياء على الهيئة الإسطنبولية. الظاهر من الصورة أنها ترتدي معطفاً كبيراً وهو الفراجة وبالتأكيد ترتدي تحته الطبقات المعتادة مثل اليلك/القفطان/الزبن. تتقنع المرأة بقناع يصل لتحت العينين وتغطي فمها بِلِفَام، وعلى رأسها خمار مزين بشريط مزركش على الحاشية وتعقده أو تثبته بدبوس تحت الذقن. هيئة الزي يشابه كثيراً ما ترتديه النساء التركيات في التصاوير الأوروبية وفي المنمنمات في المخطوطات التركية.
المرأة المصرية في الصورة الوسطانية، غالباً تبدو أنها تنتمي للطبقة الوسطى أو الفقيرة وترتدي الزي الشعبي المصري. يصعب علينا تمييز ما ترتديه هذه المرأة بوضوح لأنها متلفعة بكساء واسع يغطي جميع أنحاء جسدها، لكنها على الأغلب ترتدي ثوب أو جلباب بسيط بأكمام واسعة، وتلقي فوق جسدها كساءان (غالباً الحبرة أو الإزار) ومنتقبة بنقاب وصفه بوكووك بشكل طريف أنه يشبه الصُدرة أو المريلة التي يلبسها الرضع لحماية ملابسهم من الإتساخ حين يأكلون.
والصورة الأخيرة تصور راقصتان مصريتان ترتديان الزي الشعبي وهو الجلابية المصرية ذات الأكمام الواسعة وفتحة الرقبة العميقة. المرأة التي ترقص تلبس جلابية فاتحة اللون وعليها شرائط طولية محازية لطول الجلابية وعلى الأكمام شرائط أفقية ولها فتحة عنق كبيرة تبين نصف الصدر وعلى رأسها طرحة قصيرة، وتلبس قلائد من خرز وفي أنفها قرط حلقي الشكل. أما التي تدف بالطبلة تلبس جلابية سابلة بأكمام واسعة وغالباً لونها أزرق نيلي وفتحة الرقبة واسعة أيضاً وعلى رأسها طرحة فاتحة وتلبس أساور في معصمها.
من الممتع كثيراً الاطلاع على تعليقات وكتابات الرحالة والمستكشفين الأجانب عن عادات وتقاليد الشرقيين من العرب والمسلمين وخاصة أن العبارات والأوصاف التي يستخدمها الرحالة لوصف المناظر الغريبة وغير المألوفة بالنسبة له، بغض النظر عن انها تأريخ معاصر لهذه الممارسات، بل هي مرآة تعكس الخلفية الثقافية والاجتماعية لهذا المستكشف.
كتب إدوارد لين في كتابه وصف عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم عن الأزياء التي كانت ترتديها النساء المصريات من ذوات الطبقات العليا في القرن التاسع عشر: “ولباس المرأة المنتمية إلى الطبقتين المتوسطة الغنية جميل وأنيق. فقميصهن فضفاض على غرار قميص الرجل ولكنه أقصر فلا يصل إلى مستوى الركبتين. وهو مصنوع عادة من نفس قميص الرجل أو من قماش الكريب الملون وأحيانأ الأسود، ويلف منطقة الأرداف سروال واسع جدأ (الشنتيان) من الحرير المقلم الملون والقطن أو من الموسلين الأبيض أو المطبع والمشغول ويلبس تحت القميص مع (الدكة). تصل أطراف الشنتيان السفلي إلى تحت مستوى الركبة مباشرة مع شرائط متدلية؛ والشنتيان طويل يبلغ مستوى القدم أو يكاد يلامس الأرض عندما يتم ربطه بهذه الطريقة.
ترتدي المرأة فوق القميص والشنتيان ثوبا طويلا يعرف (باليلك) من نفس قماش الشنتيان و اليلك مشابه القفطان الرجل، بيد أنه أكثر لصوقا بالجسد والذراعين . والأكمام أطول أيضا وهي مصنوعة بشكل يسمح بتزيرها من الامام من منطقة الصدر إلى أدنى الحزام بقليل بدلا من ثنيها، كما أنها مفتوحة عند جانبيي الأرداف نزولاً، واليلك مصمم بطريقة يكشف فيها نصف الصدر ما عدا القميص، لكن العديد من النساء يجعلنه فضفاضا عند هذا الجزء؛ وحسب الزي المتعارف عليه، ينبغي أن يكون الثوب طويلا فيصل إلى الارض أو أطول بإنشين أو ثلاثة.

كما يستبدلن اليلك أحيان بسترة قصيرة تسمى (العنتري) أو (الأنتاري) أدني الخصر قليلا، تتميز عن اليلك بغياب الجزء السفلي منها. كذلك تتمنطق النساء بشال مربع أو بمنديل مطرز مطوي يلف حول الخصر، بينما يتدى طرفاه المطويان من الخلف. ترتدي المرأة فوق اليلك (جبة) من القماش أو من الحرير أو من المخمل مطرزة بخيوط ذهبية أو حريرية ملونة، وهي تختلف عن جبة الرجل بعدم وسعها خاصة في جزئها الأمامي، ويكون طولها من طول اليلك. كما ترتدي المرأة (السَلْطَة) وهي سُترة من القماش أو من المخمل مطرزة كالجبة.
إن الأنتاري مشقوق الأكمام من عند الرسغ الذي نتصوره في مخيلتنا رمزاً للزي العثماني، لم يبدأ في الظهور في المنمنمات أو اللوحات المعاصرة إلا في القرن الثامن عشر. كما أن الأنتاري أصبح أكثر ضيقاً ومقوراً من عند الصدر ومزراراً بأزرار إلى الخصر. والجزء السفلي من الأنتاري يصبح مشقوقاً من عند الخصر أو الورك.


أغطية الرأس
إن وجه الاختلاف بين ملابس الرجل والمرأة يكمن في أغطية الرأس. تظهر لوحات المنمنمات العثمانية أن أكثر أغطية الرأس الشائعة عند الرجال هي العمامة والقلنسوة وكان هناك تنوع في أغطية الرأس الرجالية حسب المكانة الاجتماعية والوظيفة. وكان السلاطين العثمانيين يتعممون بعمائم ضخمة الحجم فوق قلانس طويلة، لكن يقتصر ارتدائها على بعض المراسم التشريفية ومجالس الديوان، وتُزَيَّنْ هذه العمائم بحُلِيٍّ مقنزعة من الجواهر والريش.

أما أغطية الرأس النسائية فتختلف عن الرجالية في قصر طولها وصغر حجمها. كانت النساء تلبس قلانس أو طواقي صغيرة مثل الطربوش، وأحياناً تلف حولها منديلاً صغيراً أو عصبة للرأس. تزين النساء طواقيهن بحلية مقنزعة مثل الرجال وكانت هذه الحلية تختلف في حجمها وقيمتها حسب المكانة الاجتماعية لصاحبتها داخل الحرم السلطاني. تحتجب النساء فوقها بطرحة أو منديل مهدب أو بشريط مزركش على حواشيه.
من المفاجئ أن لا نرى العَمْرَة التي تشبه قدح الخمر المقلوب المسماه الطرطور/الطنطور/التتاري في التصاوير العثمانية إلا ابتداءاً من القرن السابع عشر. شاع ارتداء هذا النوع الغريب من أغطية الرأس في الدولة التركية المملوكية في القرن الخامس عشر في مصر والشام. خاصة وأن هذه العَمْرَة ترجع أصولها إلى أزياء الشعوب الرحالة مثل الأتراك والمغول والتي انتقلت بشكل أو بآخر إلى زي المشرق العربي في القرن الثالث عشر بعد صعود الدويلات التركية لحكم المشرق العربي واجتياح المغول العالم الإسلامي.
يبدو أن غطاء الرأس هذا لم يكن منتشراً بين التركيات في الأناضول في مطلع القرن السادس على الرغم من شهرته في القرن الخامس عشر عند أخواتهن المملوكيات في مصر والشام. كانت هذه العَمْرَة تسمى هوتوز في المصادر العثمانية. إن الطرطور الذي لبسته المصريات مشابه في هيئته العمرة الطويلة التي تسمى بوقتا وهي عمرة رأس تشبه القدح المقلوب ترتديها النساء المغوليات المتزوجات على رؤوسهن. وكانت دلالة على رفعة المكانة خاصة عند زوجات أمراء الدولة الإلخانية.
وفي ملاحظات بير بيلون، ذكر هو الآخر شيئاً مشابهاً عن ارتداء المصريات عمرة رأس طويلة كالبرج: “إن ملاحظة طراز لباس الرأس الذي تتخذه النساء المصريات جديرة للغاية بالتسجيل، ذلك لأنه يمثل القدم والعتاقة، كما نرى أشباهه مضروبة في الأوسمة وقطع النقود. وقد سماه المؤلفون التاج المبرج أو زينة الرأس على هيئة البرج : الأشرطة المبرجة turritam coranum vittam turritam و turritum capitis omamentum كما لو قال القائل : عمارة رأس منصوبة على شكل برج”.
لكن هناك لوحة رسمها الفنان الإيطالي جينتيل بيليني لسيدة تركية عام 1480 متعممة بعمة من قماش مخطط وترتدي تحتها طنطوراً يشبه الطنطور الذي ترتديه اللبنانيات المارونيات وليس القدح المقلوب الذي وصفه أرنولد فون هارف حين رآه في مصر في القرن الخامس عشر أو الطرطور الذي كتب عنه المؤرخ المصري المقريزي. أما ملابسها فمكونة من قفطان مخطط قصير الكم مزرر من الأمام فوق قميص داخلي أو قفطان داخلي طويل الكم.
الأحجبة
إن الغالبية العظمى من أغطية الرأس النسائية في القرن السادس عشر تتكون من قلنسوة أو طاقية وتحيط بها عصبة رأس أو منديل ثم ترتدي فوقه المرأة خماراً أو طرحة كبيرة. بعض من التصاوير المعاصرة تظهر أشكالاً مختلفة وأحياناً غريبة لأنواع من أغطية الرأس التي كانت تريديها العثمانيات التي تظهر من تحت أحجبتهن. إن طول هذه الأحجبة وشكلها لم يكن متماثلاً بين كل النساء، بل اختلفت حسب ذوق المرأة ومكانتها الاجتماعية والدينية. أظهرت بعض اللوحات التي رسمها بعض الرحالة الأجانب أن النساء زَيَّنَّ طرحهن بشراشيب وأشرطة مزخرفة.
يقول بيلون إن مظهر القرويات الأعرابيات والمصريات هو نقاب من أقبح ما وجد من آنقبة: ذلك لأنهن يضعن على عيونهن حجابأ من تيل القطن الأسود أو لون آخر يتدلى على وجوههن حتى الأذقان، فكأنه كمامة آتية من الطبقة العليا أو كأنه عثنون صغير، ولكي ترى النساء طريقهن من خلال هذا الحاجز المنسوج، يحدثن نقبين في موضع العينين، بحيث إنهن في هذه اللبسة المضحكة يشبهن أولئك الذين يتصارعون يوم الجمعة المقدس في روما أو في مدينة اثنيون (عاصمة البابا القديمة في فرنسا).
ولكن نساء المدن الأكبر (في مصر) يتبعن الطريقة التي تعلمنها من النساء التركيات، اللواتي يضعن على وجوههن برقعا صغيرا معمولا من نسيج شعر ذيول الخيل، أما منهن من ذوات اليسار والمكانة الاجتماعية يضعن قناع كتاني رقيق فوق أعينهن. البرقع المعمول من شعر الخيل كان يسمى بيتشى بالتركية.
ولما زار سولومون شويجر إسطنبول في القرن السابع عشر شاهد التركيات بتبرقعن ببرقع كثيفٍ أسود فوق أعينهن وشبهه بالقناع الذي على مقدمة خوذة الفارس. يُعْتَقَد أن هذا البرقع لم ينتشر استعماله في العالم العربي إلا منذ الدولة العثمانية، لكن بعض الدراسات الحديثة أثبتت أن هذا البرقع موجود في الدول العربية باسم الشعرية (من شعر الحيوانات) في مصر والشام والعراق على الأقل منذ القرن الحادي عشر.
تظهر الدراسات في وثائق الجينيزا اليهودية وقوائم جهاز العرائس اليهوديات أن اليهوديات اللواتي كن يعيشن في الدول العربية كن يلبسن أنقبة إسمها شعرية وكانت مصنوعة من شعر الحيوانات. حتى أن هناك نسخة لتصويرة من مقامات الحريري ترجع إلى القرن الثالث عشر وتظهر فيها سيدتان تجلسان في صف النساء في المسجد ويغشي أعينهما برقع شفاف أسود.
ملابس الفلاحين وعامة الشعب في مصر
إن الزي الشعبي المصري لم يتغير مظهره أو هيئته على مر العصور منذ عهد العصور المصرية القديمة، وحتى خلال العصور الرومانية وحتى القبطية المسيحية، إلى العصر الإسلامي منذ القرن السابع الميلادي.
زي المصري القديم يتكون من قميص طويل له أكمام طويلة مع فتحة من العنق للصدر. التسلسل التاريخي الموثق سواء من خلال التصاوير الجدارية والمنحوتات الأثرية وقطع الملابس الأثرية المستكشفة يبين مدى ثبات الملبوس التقليدي للشعب المصري ألا وهو الجلابية. الجلابية هي ثوب سابغ وله أردان واسعة ومشقوق الأمام وهو الزي الرسمي للفلاح أو الرجل المصري. كتب العديد من الرحالة عن هذا الثوب خلال القرون المختلفة.
حظيت الجلابية المصرية بشعبية عند خيال الرحالة وخاصة عند الرسامين والفنانين المستشرقين الذين جعلوها رمزاً للفلاح المصري الأصيل في لوحاتهم الفنية.
لاحظ شويجر بساطة الزي المصري للنساء والرجال كلاهما وخلوه من التعقيد وكثرة الطبقات بسبب مناخ مصر الحار، على غرار الأوروبيون الذين يعيشون في مناخ أوروبا القارص واحتياجهم إلى طبقات كثيرة من الملابس للدفء. وعلق كل من بوكووك ولين على بساطة الزي المصري أيضاً.
وصف ريتشارد بوكووك لباس المصري الفلاح بقوله: “أكثر الأزياء في مصر شيوعاً يشبه ضروب من الملابس البسيطة وهو عبارة عن قميص طويل وفي اللوحة الخامسة والثمانون مرسوم بأكمام طويلة. ومن العادة أن يتمنطقوا عليه في الوسط وكثير من الأطفال يمشون في الأرض عراة كلياً طوال السنة كما يفعل الجميع في الصيف. يلبس العامة من الناس فوقه قميصاً بنياً من الصوف؛ ومن هم من الموسرين يلبسون معطف من القطن وقميص طويل أزرق وعليه ثوب تشريفي لونه أبيض ليس أزرق يلبسونه في الاحتفالات وهذا في صعيد مصر.
أما في الشمال يلبسون ثوب يشبه ما سبقه ولكنه من صوف أسود وأحياناً يلبسه كبار السادة وهو مفتوح الأمام هو ما يطلقون عليه فرجية؛ وبعض منهم يلبس الفرجية من القماش والفرو، ويلبس المصرييين والأعراب ملابس بأكمام طويلة مثل الأزياء التشريفية التي يلبسها الأتراك واسمها الفرجية على هيئة رداء النوم؛ والثوب الأخر الذي يلبسه الترك أكمامة مستقيمة.”
أما إدوارد لين أعاد تأكيد بساطة الملبس الشعبي المصري في كتابه وصف عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم: “يتسم زي أبناء الطبقات الدنيا بالبساطة الكبيرة. فهم يرتدون – إن لم ينتموا إلى الطبقات المدقعة سروال تحتانيا – (العري) فوقه قميص فضفاض طويلأ و عباءة من الكتان الأزرق أو القطن أو من الصوف البني – الزعبوط – مفتوح عند الرقبة حتى الوسط تقريبأ وذات أكمام واسعة.
وقد يتزنر بعض المصريين بحزام صوفي أبيض أو أحمر ويعتمرون عمامة مؤلفة من شال صوفي أبيض أوأحمر أو أصفر أو من القطن الخشن أو من الموسلين يلف بها الطربوش فوق قبعة لبادية بنية اللون أو بيضاء. لكن بعضهم فقير جدأ إلى درجة يكتفي معها باللبادة، فلا يعتمر عمامة ولا يرتدي سروالا أو ينتعل حذاءأ، مكتفيا بالقميص الأزرق أو البني أو بأسمال رثة بالية بينما يرتدي بعضهم الآخر صديرة تحت قميصه الأزرق.”
تم العثور على ثوب أزرق قطني بأكمام واسعة وفتحة الصدر مع بقايا أزرار قطنية من موقع قصر أبريم الأثري وكان في الماضي عبارة عن مدينة مستوطنة على ساحل البحر الأحمر. عثر الباحثون أيضاً على قطع أخرى من الملابس بجانب أنقبة نسائية تعود للعصر المملوكي وملابس للأطفال. توجد دِخرِصة متصلة بجانبي الثوب لتزيد من وسعه وعرضه.
ملابس الفلاحات أو المصريات الفقيرات
إن زي الفلاحين والفلاحات متماثل في الهيئة والشكل. لبست الفلاحات قمصان أو جلابيات واسعة تتناسب مع طبيعة عملهن الشاق ومكانتهم المتدنية في التسلسل الهرمي الاجتماعي. كانت جلابية النساء مثل الرجال طويلة وواسعة من غير أي زينة أو زركشة. أحياناً يلبسن برقعاً على وجوههن وطرحة طويلة فوق رؤوسهن.
أورد سالومون شويجر موجزاً عن عن ملابس المصريات في القرن السابع عشر في كتابه وقال: “المرأة المصرية أو الخادمة العادية تلبسن هذه الأثواب البيضاء أو الزرقاء ولها أكمام طويلة، ويلبسن أساور في معاصمهن و وخلالخيل في أرجلهن زجاجية خضراء تتجلجل حين يخطين خطوة، وتركبن هن واليهوديات في هذه الهيئة سواء في الإسكندرية أو في أي مكان.”
يقول ريتشار بوكووك أن ملابس المصريات العاميات تتألف من ثوب واسع من كتان أو قطن مثل الكوتيَّة (ثوب مسيحي طقسي بأكمام واسعة) ويعلقون فوق أعينهم بافِتَّة مربوطة بغطاء الرأس بلاصق فوق الأنف؛ تاركة فتحتين للعينين مما يجعل شكله غريب جداً. تلبس الأخريات مثل هذا الثوب لكنه مصنوع من حرير وعليها ملاءة سوداء كبيرة مشتملة وحجاب للوجه من قماش يشبه الشاش. إنه من العيب عندهم أن تظهر المرأة سافرة وتغطي المرأة فمها وعين واحدة ويتركون الأخرى.”
يعد وصف إدوارد لين لملابس الطبقة الفقيرة هو من أكثر الأوصاف المعاصرة شفافية وتفصيلية. كتب لين في كتابه “وصف عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم”: يقتصر زي الطائفة الكبرى من نساء الطبقة الفقيرة غير المدقعة على سروال تحتاني ( مشابه لشنتيان سيداتهن من القطن الأبيض العادي أو من الكتان وعلى قميص أزرق من القطن أو الكتان) غير فضفاض كسروال الرجال) وبرقع من الكريب الأسود الخشن إضافة إلى طرحة زرقاء داكنة من الموسلين أو الكتان.
تعمد بعضهن إلى (التوب) الكتاني فوقا لقميص المشابه لتوب سيداتهن. تكون أكمام هذا التوب مرفوعة فوق الرأس فلا تزعج صاحبته وقد تغنيها عن الطرحة. إلى جانب هذا الزي، ترتدي العديد من النساء اللواتي لا ينتمين إلى الطبقة الأكثر فقرا نسيجأ مربع النتشيشبه الحبرة مؤلف من قطعتين من القطن مموج في شكل مربعات زرقاء وبيضاء في شكل خطوط متقاطعة موشحة باللون كالحبرة أو الطرحة إسمها ملاية.
وتتدثر النساء في المناطق الجنوبية للصعيد خاصة فوق (أقحميم) ب (بالهلالية) وهي من القماش الصوفي البني الغامق، تلفه المرأة حول جسدها وتجمع أطرافه العلوية حول كل طرف، كما تستعمل قطعة من القماش ذاته بشكل طرحه. يغطي هذا الرداء الباهت اللون والجميل في آن معاً تماماً الجسد كما الرداء الأزرق الذي تنقله نساء مصر حتى مستوى الشفتين. يقتصر الزي الشائع في معظم أرجاء القاهرة على القميص الأزرق أو التوب والطرحة.





اكتشاف المزيد من لغاتيزم
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.









