لا توجد معلومات وافرة عن ضروب الزينة والتَّجَمُّل ومشطات الشعر التي اتبعتها النساء العربيات قبل الإسلام حتى ظهور عصر الخلافات الإسلامية. أدَّتْ الندرة في الفنون العربية التي تصور طرق التجميل والزينة عند العرب القدامى بجانب الشُّح في الأغراض والمخلفات الأثرية المتعلقة بأدوات الزينة والهندمة المنسوبة لحضارات عربية قديمة إلى عرقلة جهود المنقبين ودارسي الآثار المتخصصين في شأن التاريخ العربي وفهم التطور الثقافي والاجتماعي للجماعات التي استوطنت شبه الجزيرة العربية منذ قديم الزمان.

إن الفن النحتي المنبثق من جنوب شبه الجزيرة العربية (اليمن) زاخر بالفنون التجسيدية على عكس باقي المناطق في شبه الجزيرة العربية (باستثناء الشام والعراق).
اختلفت تصفيات الشعر الموجودة على المنحوتات اليمنية التي تجسد الأنثى سواء كانت (عامية، نبيلة، كاهنة، أو معبودة). فلقد كان السواد الأعظم من تمثيلات الشعر على المنحوتات اليمنية يكون الشعر قصيراً يصل للكتف أو ما دون شحمة الأذن بقليل وله شكل محدب من الناحيتين ومسرحاً للوراء ويكون أسفله مموجاً أو معقوصاً. بعضه يفرق من النصف ويلوى ويعقد في الخلف ويطوق الرأس بعصابة دائرية على شكل حلقة.
بعض التماثيل النسائية شعرها طويل وتنساب للوراء ومضفورة في ضفيرة واحدة آو ضفيرتين. ويبدو أن المرأة كانت تصفف شعرها بشكل شبيه بالأسلوب اليوناني والروماني في قص الشعر، كما تشبه إلى حد ما طريقة قص الشعر في حضارة وادي الرافدين لاسيما عصر سلالة أور الثالثة. كما يبدو الاهتمام الكبير في تصفيف الشعر كجزء من المدنية والإحساس بالحضارة.
أما طبيعة تصفيف شعر الرأس ففي معظم التماثيل وصور الملوك التي انتشرت على العملات نرى الشعر المتموج المنظم تنظيما جيدا، يشبه تنظيمه عند اللحيانيين واليونانيين. كما أن بعض اليمنيين يشعرون شعورهم على شكل جدائل مرسلة على ظهورهم أو على خدودهم، وهم يشبهون الآشوريون في ذلك، كما كان الرجال يحلقون لحاهم وشواربهم في الغالب، وهو شبيه بما موجود عند الفراعنة.1
إن كل بقعة في شبه الجزيرة العربية تأثرت بمتأثرات أجنبية ذات طابع مختلف وفقاً لعلاقاتها التجارية وحلفاؤها السياسيين والبعد من مراكز السلطة 2. ولهذا السبب؛ إن التصورات الجمالية المثالية عند العرب سواء في الملبس والشعر والحلي والزينة تتقلد بالمتأثرات التي تأتيهم من أقرب قوة سياسية-اجتماعية مهيمنة عليهم.
الفنون هي أحد أهم أضلع التصورات الجمالية النابعة من الفكر الأصلي والمتدرج طبيعياً لأي شعب. الفنون التي انبثقت من مختلف الأماكن في شبه الجزيرة العربية بدءاً من العصر البرونزي حتى القرن الأول من الميلاد هي مرآة للتنوع والتباين في تصورات العرب الفنية الموجودة حسب أيٍّ من الحضارات المتأصلة كانت مطلة عليها جغرافياً.
فالجزء الشرقي من الجزيرة تأثر بفنون بلاد الرافدين ولاحقاً بالفرس، أما الشمال الغربي تأثر بالهلنستية الإغريقية. كونت حضارات جنوب الجزيرة فنونها المحلية في مقتبل الأمر لكن مع مرور الزمن تأثرت هي أيضاً بالفنون الهلنستية والرومانية،3 وشمال الجزيرة بسبب مكانها بمقربة من الحضارات السامية القابعة على حدودها في الهلال الخصيب والحضارة المصرية، كان من الطبيعي أن تتأثر بهذه الحضارات أيضاَ.
إن الموقع الجغرافي للجزيرة العربية المتمركز بين عدة حضارات آسيوية وحضارات البحر الأبيض المتوسط حولتها إلى مركز للتجارة عبر القارات، تحصل فيه عمليات تبادل البضائع والسلع الثمينة بين هذه النوى الاقتصادية الثلاثة. إن المستوطنين الذين سكنوا الساحل الشرقي من شبه الجزيرة العربية استوردوا العديد من الأدوات والأغراض المستخدمة في الحياة اليومية مثل الفخار والأواني وأواني الطبخ والأدوات المستخدمة في الطقوس الدينية والأوزان والمقاييس والأختام وحتى أدوات التجميل والحلي. بدأ الاستيطان البشري في الجزء الغربي من ساحل الخليج العربي منذ العصر العبيدي (حوالي 5500 سنة إلى 3700 قبل الميلاد) حسب ما عُثر على بعض المخلفات الأثرية وبقايا من الفخار تعود لهذا العصر. 4
حلي الشعر والرأس في المواقع الأثرية
أسفرت التنقيبات في عدة مواقع أثرية في ممالك ودويلات نشأت في أرجاء الجزيرة عن اكشاف العديد من أدوات الزينة مثل الحلي والأمشاط والدبابيس والمرايا والقوارير والقنان لحفظ العطور والأدهان والخرز الملون. كانت هذه الأدوات والمواد تستورد من حضارات أخرى أو مصنوعة محلياً لكنها على طراز ميسوبوتامي أو هلنستي أو روماني أو إيراني، إلخ، او كانت معمولة على شكل هذه الطرز في مبدأ الأمر لكنها تطورت وأخذت طابعاً محلياً.
عثر المنقبون وباحثوا الآثار على أدوات تصفيف الشعر مثل الأمشاط ودبابيس الشعر والمرايا بالإضافة لأدوات التجميل الشخصية مثل الخرز والدلايات والمجوهرات وعلب حفظ المجوهرات تعود إلى الألفية الثانية قبل الميلاد. تضمنت أدوات تجميل الشعر على الأمشاط العاجية والخرز والدلايات والحلقات والأجراس والتمائم ودبابيس الشعر.
وجد المنقبون الكثير من الأمشاط العاجية في عدة مواقع أثرية في أنحاء الجزيرة، حيث أنهم وجدوا بعض الأمشاط وراء جماجم بعض النساء المدفونات أو على بعد بضع من السنتيمترات من الجمجمة كأنما أن هذه الأمشاط كانت مغروسة في الشعر وقت الدفن ولكنها بقيت في هذا الوضع بعد تحلل الجثة. وفي بعض الحالات وجدوا مشطاً ودبوساً للشعر معاً. على الأرجح أن من أساليب المراسم الجنائزية في ذلك العصر أن يُدفنوا في هذه الوضعية وهم مُتكفَّنون في أبهي ممتلكاتهم الشخصية على اعتبار أنها سترافقهم في حياتهم الأخرى.
عثر علماء الآثار على بقايا امرأتين في موقعين أثريين في الإمارات (تل الأبرق ودبا الحصن) تعود إلى 2000 قبل الميلاد ــ 200 بعد الميلاد، وهما مدفونتين وفي شعورهم مشط شعر عاجي مزين مع دبوس للشعر ناحية مؤخرة الرأس.5 يوجد على سطح هذه الأمشاط والدبابيس نوع من الزخرفة الفريدة على شكل دوائر وعلى الأغلب يبدو أنها مستوردة من حضارة باكتريا أو باختريا (حضارة إيرانية قديمة كانت حدودها تنحصر في دول مختلفة مثل أفغانستان وطاجكستان وأوزبكستان وتركمنستان) أو أنها تقليد محلي لطرز الزخرفة الباكتيرية.
من أكثر ضروب الزينة شيوعاً في العصور القديمة والتي أسفرت عنها العديد من التنقيبات والبحوث الأثرية في عدة مواقع هي الخرز. كان الخرز يُصَنَع من عدة مواد منها اللازورد والعقيق والكهرمان والحجارة والمحار والحجر الصابوني والصخور الناعمة والمرو واللؤلؤ والمرمر وأيضاً الذهب والفضة والنحاس. استعمل الناس الخرز في عدة أشكال مثل أن يُنَظَم في خيط ليُلبَس كقلادة أو يزينون الملابس به أو أنهم يلبسونه على جباههم كعصابة أو يضعونه في شعورهم زينة للذوائب والضفائر.
وقد شهدت العديد من المواقع الأثرية خلال العصر البرونزي الأوسط في جميع أنحاء القوقاز وشرق البحر الأبيض المتوسط والشرق الأدنى القديم على وجود حلقات حلزونية الشكل تستخدم كزينة شخصية، على الأرجح كحلقات للشعر. 6 وهناك العديد من الأمثلة عليها في مقابر فرعونية وسومرية لملكات دُفِنَّ في قبور مليئة بالأمتعة الجنائزية والحلي وفي شعورهم عصائب وأشرطة ذهبية وخصلات شعرهم محلاة بحلقات دائرية أو لولبية من مختلف المواد.

كانت الأجراس من ضمن أنواع الزينة التي عثر عليها المستكشفين، فقد اكتشفت إحدى البعثات الأجنبية تسعة أجراس في موقع الدور في إمارة أم القوين في الإمارات تعود إلى 2000 سنة قبل الميلاد إلى 200 سنة بعد الميلاد. ستة من هذه الأجراس متشابهة في الشكل وبيضاوية، لكن الثلاثة المتبقيين على شكل مخروطي.8 إن الأجراس لها وظائف شمولية في العديد من الحضارات في الشرق الأوسط. استخدمها الإنسان في حماية نفسه من العين والأرواح الشريرة بأن يعلقها كتميمة أو يلبسها كحلي أو يخيطها على ملابسه للزينة.
من الجلي أن النساء علقن هذه الأجراس والتمائم على الشعر أو أغطية الرأس أو الأقنعة التي كن يرتدينها لتحفظهم من الشرور أو نوع من إظهار الموروثات الشعبية. هذا الشكل من ضروب الزينة مازال موجوداً في العالم العربي حتى الآن.
عُثِرَ في الإمارات العربية المتحدة على أنواع كثيرة من المجوهرات الذهبية والمصنوعة من الإليكتروم والفضة والنحاس والبرونز والرصاص في أماكن مختلفة؛ فقد عثر في القطارة على أربع دلايات أو صفائح معدنية ورقية مصنوعة من الألواح الذهبية أو الإلكتروم مزدانة بزخرفة الأبلكة، تمثل حيوانات أو مجموعة حيوانات بلغ طولها 5 سم، وعرضها 3 سم، وسمكها 3 ملم، وتمثل كل واحدة منها أسدا وزوجين من الوعول، يقف كل منهما بشكل معكوس، وقد رأى ” كلوزيو” أن أسلوب الأسود يذكرنا بفن القطع بالمنجل، ويمكن مقارنته بنظائر له من إيران تعود إلى الألف الأول قبل الميلاد وكشف بالمثل عن دبابيس معدنية من النحاس والبرونز والذهب في مواقع الإمارات العربية.
بجانب الأجراس والتمائم، كان هناك المرايا. وُجِدَتْ أنواع من المرايا البرونزية في عدة مواقع أثرية حول الجزيرة العربية.
أظهرت البعثات الاستكشافية والأثرية لعدة مدافن أن هناك أعداد كبيرة من الموتى كانوا يُدفنون مع الحُلِيُّ والزينة المصنوعة من المعادن النفيسة والمرصعة بالأحجار الكريمة المجلوبة من الهند (العاج) وبلاد السند (العقيق والقصدير) ومن أواسط آسيا وإيران (الذهب) ومن عمان (النحاس) ومن إيران (الرصاص والمغرة الحمراء) ومن أفغانستان (اللازورد) ومن الأناضول (السبج والحجر الصابوني) ومن اليمن (السبج أيضاً).9 كانت شبه الجزيرة العربية تُعرف بجودة الدر واللؤلؤ منذ قديم الأزل ولقد أكدت كتابات المؤرخ الروماني بليني الأكبر ذلك.

أفادت الشواهد على بعض الألواح المسمارية من حوالي قرابة 4000 سنة قبل الميلاد أن حضارة ماجان (شبه جزيرة عمان والإمارات) كانت المُصَدِّر الأول للنحاس إلى الحضارة السومرية. لاقى الباحثون في بعض المدافن في دلمون وجزيرة فيلكا أساور وخواتم وخلاخيل نحاسية كانت مصنعة للاستهلاك المحلي داخل حدود شبه الجزيرة.10
وجدت البعثات الاستكشافية حلي ذهبية مصوغة بحرفية بجانب أجساد النساء في قبور في عدة مستوطنات أثرية في قرية الفاو وتيلوس ترجع للعصر الهلنستي (١ – ٣ بعد الميلاد) حيث كانت الثقافة الإغريقية هي الثقافة المهيمنة في المنطقة وخاصة في طرق الدفن والطقوس الجنائزية.
عُثِر على أقراط الأذن هذه المصنوعة من الذهب والمرصّعة بأحجار شبه كريمة في منطقة الشاخورة، وهي موقع أثري لمستوطنة قديمة في البحرين، بالإضافة إلى موجودات وأغراض أخرى كانت مدفونة في قبر امرأة عجوز. وتصور هذه القطعة الثمينة المصقولة، الإله إيروس اليوناني (رمز الحب) وهو يمتطي جدي، وهي صورة كانت سائدة جدًا في مختلف أرجاء العالم اليوناني، ويبدو أن هذه الأقراط قد تم استيرادها من “باكتريا”، فيما تُعرف اليوم بأفغانستان.
نظراً لهيمنة الثقافة الهلنستية في أرجاء المنطقة، كان من ضمن مراسم الدفن الشائعة تغطية الأعين والفم بأقنعة، حيث أن الباحثين وجدوا ألثمة فم في مقابر الحجر والمقشع وأغطية للعين في مقبرة المقشع في تيلوس ترجع للقرن الأول ق.م – القرن الأول ب.م.11

كشفت التنقيبات في مقابر جنائزية في دلمون وتيلوس (حضارات قديمة في البحرين) عن قوارير زجاجية وفخار ومزهرية ومجوهرات وأختام. حظيت البحرين بمكانة كبيرة في التاريخ القديم، حيث أنها كانت مهداً لعدة حضارات عظيمة وجسراَ للتواصل بين الحضارات في محيطها ومركزاً للتجارة العالمية.
إن تماثيل التيراكوتا وألواح النصاب الجنائزية التي ظهرت في القرن الأول قبل الميلاد والقرن الأول بعده تبين التأثر الجَلِّي بالطُرُز الهلنستية والفرثية (البارثية). يوجد تمثال لامرأة نائحة تشد في شعرها المسترسل وهي مرتدية الخيتون الدّوري (لباس إغريقي قديم) متمنطقة عليه بزنار. يوجد تمثال آخر يُصور امرأة بتسريحة شعر أنيقة حيث جمعت شعرها قي كعكة فوق الرأس وطوقتها بعصابة. وترتدي غلالة وتتلفع بكساء كبير فوقها تاركة كتفها الأيمن مكشوفًا.

وفي خلال حملة حفرية في ثاج، وهي مدينة قديمة في المنطقة الشرقية للمملكة العربية السعودية، وجد باحثوا الآثار غرفة دفن ترجع للقرن الأول بعد الميلاد تحتوي على بقايا فتاة صغيرة ذات مكانة اجتماعية عالية. كان جسدها منبسطاً على سرير جنائزي من ذهب له أرجل على شكل تماثيل بشرية جميعهم يرتدون ملابس هلنستية.
ارتدت الفتاة قناعًا للوجه، وقفازات طويلة، وأزرارًا، وحزامًا ذهبياً. والعقد الذي ارتدته ذهبي مُرصّع باللؤلؤ، وأقراطها مطعمةً بالزمرد والياقوت الأحمر واللؤلؤ. كانت اللآلئ تُستخرج من أحواض المحار في الخليج العربي، في حين أن الزمرد والياقوت ربما كانوا يُجلَبون عبر طريق المحيط الهندي البحري إلى الشرق الأقصى.12 كما ارتدت ثلاث عصائب ذهبية على رأسها وكانت محاطة بأربعة تماثيل ذهبية وأكثر من 200 زر ذهبي بأحجام مختلفة.
تُبَيِّن دراسة المنحوتات البارزة الجنائزية والتماثيل الجذعية الصادرة من شمال غرب الجزيرة العربية وجنوب غرب الشام (حيث أُقيمت عليها المستوطنات العربية مثل الأنباط والغساسنة)، وكذلك لوحات الجدران في قرية الفاو، وهي مدينة قديمة بمقربة الواحات كانت عاصمة مملكة كندة، مدى التأثير الصارخ للحضارات اليونانية والرومانية. تحتفظ ملابسهم وتصفيفات شعرهم بالسمات الهلنستية وتستحضر أنماط العصور القديمة الكلاسيكية وهذا يرجع غالباً لوقوع العديد من هذه المناطق تحت التأثير الاجتماعي والسياسي للإمبراطورية السلوقية والرومانية.

إن التمثيلات الفنية التي تصور النساء العربيات قبل الإسلام (خاصة تلك التي تجسد الإلهات القديمات عند العرب) في المدن التي حكمتها الامبراطورية الرومانية مثل تدمر في سوريا والبتراء في الأردن، تتميز بطابعها الإغريقي-الروماني، بحيث أن أشكالهم تتبع الأساليب الطبيعية في الشعور المنسدلة والمبسوطة وخصل الشعر المعقوصة. ويظهر عليهن أنهن متوجات بالأكاليل والعصائب والتيجان على شكل سور المدينة (وهي من شارات الأباطرة الإغريقية المعروفة) ويتدثرن بملابس إغريقية مثل التونيك (الغلالة) والستولا (رداء خارجي من قطعة قماش واحدة) والپالا (ملاءة تلتحف بها المرأة) التي ترفعها فوق رأسها وتحتجب بها.
كما ترتدي بعض النساء تونيكات مزينة بأشرطة مزخرفة بشكل متقن حول الأكمام وفتحات العنق، مما يذكرنا بطرز الملابس الفرثية الشرقية. ويبدو هذا التبني أكثر وضوحًا في أزياء الرجال.
لكن حُلِيَهن تختلف عن الحُلِيّ الرومانية التقليدية في أوروبا بل تتخذ طابعاً شرقياً. ويدمجون الطُرُزْ الشرقية المحلية للشرق الأدني إلى أزيائهم ويزينون رؤوسهم بالشرائط القماشية المعقودة وأشباه العمائم مع العصائب المنقوشة. وأحياناً يضعون سلسلتان مرصعتان تبدآن من عند مقدمة العمامة من فوق الجبهة وتنزل كل واحدة على الجبين و تثبت وراء الأذن وأحياناً تتصل بدلاية توضع في مفرق الشعر تعطي شكل جمالي فريد من نوعه.

إن التعبيرات الفنية والمخلفات المادية التي تركها العرب الأنباط تدل على أن المرأة النبطية لبست كل أنواع الحلي والجواهر من رأسها إلى أخمص قدميها تماماً مثل نظيراتهن العربيات في هذا العصر. كشفت البقايا الأثرية للأنباط أن النساء تحلين بالتيجان والأقراط وحلقات الأنف والقلائد والعقود المفتولة وأبزينات الملابس المزينة والأحزمة والخواتم والأساور والمعاضد والخلاخيل. 13
عرف الرومانيون القدماء عن كثب مدى ثراء الأراضي النبطية بالذهب والفضة حسب ما ذكره المؤرخ سترابو في القرن الأول الميلادي، وساعدت الوفرة في هذه المواد الخام في إنتاج مصوغات وحلي بشتى الأشكال والأنواع على نطاق واسع. كان من الأعراف الدينية عند الأنباط أن يخرموا أنوفهم ويلبسوا حلي فيها تيمناً بالآلهة ولحمايتهم من المرض والشرور والحظ السئ. 14
إن النصوص التاريخية تذكر أسماء صاغة الذهب الأنباط ويشيد المؤرخون الرومانيين باحترافيتهم. تتشابه بعض العناصر في هذه الحلي بالحلي الفضية التقليدية التي تلبسها البدويات مثل عناصر الهلال وانتهاء الأساور بسلاسل بها رؤوس الحيوانات. 15



اقتربت المستوطنات العربية في شمال شرق الجزيرة وجنوب شرقها من المحيط الإيراني-الفرثي وتأثرت بها. إن التماثيل والمنحوتات البارزة والفنون الموجودة في مملكة عربايا (من القرن الثاني ب.م إلى 241 ب.م) ومملكة الرها (من 132 ق.م إلى 214 ب.م) وهي مراكز لممالك عربية حكمها الأنباط والأباجرة، تكشف عن تطبعهم بالملابس والحلي الفرثية.
ففي عربايا، تتزيا المنحوتات النسائية في أزياء فرثية متمثلة في الغلائل الداخلية طويلة الأكمام مع كشكشة فريدة عليها وتلبسن فوق الغلالة خيتون متمنطق عليه. ويثبت على الأكتاف بمحابس مزينة ويتحلين بأبهي الحلي والمجوهرات من الأقراط والأساور والأطواق والمخانق والقلائد والعقود المفتولة. وأكثر ما يميزهم هو أغطية الرأس والعَمْرات التي يلبسونها. يلبسون نوعاً من القلانس العالية مع دلايات وسلاسل للزينة معمولة من وحدات متصلة نصف كروية مقعرة (غالباً ترصع بالأحجار الكريمة) وتتدلى على الجانبين. ثم يغطون القلانس بخُمُر أو أردية كبيرة يرخونها على الظهر وأحيانا يسحبون إحدى الأطراف للأمام ويطوونهم تحت الإبط.



إن الفسيفساء الجنائزية والمنحوتات الجنائزية التي نشأت في مملكة الرها تعكس مدى تبني الطابع الفرثي في الملابس ويتجلى ذلك بصورة أوضح في ملابس الرجال. وعلى الرغم من أن مملكة الرها كانت تحكمها سلالة عربية، إلا أنها على الأغلب كانت تضم بالأساس سكاناً ناطقين بالسريانية وغيرها.
وكانت النساء يرتدين أثواباً طويلة فضفاضة ذات درجات مختلفة من الزخرفة على الأكمام مع خمار أو ملاءة طويلة فوق أغطية الرأس الكبيرة الشاهقة. أما أغطية الرأس فهي مخروطية أو أسطوانية الشكل، وتغطيها الملاءة المسحوبة من تحت أحد الإبطين والمثبت على الآخر. ويرتدين أنواعاً مختلفة من الحلي مثل القلائد والأساور والدبابيس ويصففن شعرهن في تسريحات مختلفة متقنة.


ففي موقع عين جاوان كُشِفَ عن ضريح في جاوان وعُثر فيه على العديد من قطع الآثار ومنها الحلي، يعود تاريخها للقرن الأول الميلادي تقريبا. يقول الباحثون أن المقبرة التي عثر على الحلي بداخلها كانت لشخص ذا مرتبة عالية وطرز هذه الحلي متأثرة بطرز الحلي الفرثية من إيران وقد تكون من ضمن ممتلكات أحد النبلاء الفرثثين الهامشيين.16 وهذا الاستدلال يبدو منطقياً طبقاً للحقيقة التاريخية أن شرق شبه الجزيرة وقع تحت تأثير المحيط أو الحكم الفرثي.
إن الطرق التجارية المتشابكة التي وصلت بين أطراف الجزيرة والحضارات في محيطها سهلت انتقال البضائع من الجزيرة العربية وإليها، كما أنها عملت على انتشار التبادلات الثقافية والحضارية.
لم تكن معظم التقاليد التجميلية التي اتبعها المستوطنون في مختلف المستقرات العربية متماثلة في أسلوبها وأدواتها، لكنها كانت تحذو حذو أيِّ من الحضارات القريبة منها. فمثلاً، المستوطنات العربية القريبة من بلاد ما وراء النهر اتبعت أساليب وطرز الجمال والأزياء من تلك الحضارات. وينطبق الأمر أيضاً على المستوطنات في شمال غرب الجزيرة التي تطبعت بالأساليب الهلينية-الإغريقية ثم الرومانية، أما من هم في شمال الشرق تطبعوا بالفرس أو الفرثيين والباختريين والساسانيين. أما منطقة أقصى الجنوب (عمان واليمن) على طرق تجارة البحر الهندي جعلتها عرضة للتأثر من الشرق في السند والفرس ومن الشمال في مصر والإغريقيين والرومانيين وبلاد ما وراء النهر.
- النواب، رويدة فيصل موسى. 2022. فن الزينة و الماكياج في الحضارات القديمة بلاد الرافدين و بلاد اليمن القديم أنموذجا. الأكاديمي،مج. 2022، ع. 106، ص ص. 149-166. ↩︎
- Hoyland, Robert G. Arabia and the Arabs: From the Bronze Age to the Coming of Islam. Routledge, 2001. ↩︎
- Hoyland, Robert G. Arabia and the Arabs: From the Bronze Age to the Coming of Islam. Routledge, 2001. ↩︎
- المواقع الحضارية على الساحل الغربي للخليج العربي حتى القرن الثالث قبل الميلاد: دراسة آثارية مقارنة, مركز البحوث والدراسات دويش، سلطان مطلق ,الكويتية, 2015 ↩︎
- Potts, D.T. (2000). Ancient Magan: The Secrets of Tell Abraq. ↩︎
- Carminati, Eleonora. 2014. Jewellery manufacture in the Kura-Araxes and Bedeni cultures of the southern Caucasus: analogies and distinctions for the reconstruction of a cultural changeover. page 161-186. Polish Archaeology in the Mediterranean 23/2, Special Studies: Beyond ornamentation. Jewelry as an Aspect of Material Culture in the Ancient Near East, edited by A. Golani, Z.Wygnańska. ↩︎
- Jasim, S.A. (2006), Trade centres and commercial routes in the Arabian Gulf: Post-Hellenistic discoveries at Dibba, Sharjah, United Arab Emirates. Arabian Archaeology and Epigraphy, 17: 214-237. ↩︎
- Delrue, P. (2008). Archaeometallurgical analyses of pre-Islamic artifacts from ed-Dur (Emirate of Umm al-Qaiwain, U.A.E.). Ghent University. Faculty of Arts and Philosophy, Ghent, Belgium. ↩︎
المواقع الحضارية على الساحل الغربي للخليج العربي حتى القرن الثالث قبل الميلاد: دراسة آثارية مقارنة, مركز البحوث والدراسات دويش، سلطان مطلق ,الكويتية, 2015 ↩︎
المواقع الحضارية على الساحل الغربي للخليج العربي حتى القرن الثالث قبل الميلاد: دراسة آثارية مقارنة, مركز البحوث والدراسات دويش، سلطان مطلق ,الكويتية, 2015 ↩︎- Tylos, The Journey Beyond Life: Rituals and Funerary traditions in Bahrain (2nd century BC – 3rd century AD) ↩︎
- http://www.archeolog-home.com/pages/content/ancient-arabia-part-3-qaryat-al-faw-and-hellenistic-arabia.html ↩︎
- Nabataean Jewellery and Accessories. Available from: https://www.researchgate.net/
publication/265946686
Nabataean_Jewellery_and_Accessories. ↩︎ - https://www.ancient-art.co.uk/nabataean-art-of-the-stone-city-dwellers/ ↩︎
- https://thezay.org/jewellery-and-jordan/ ↩︎
- Potts, Daniel .T. Northern Arabia: From the Selucids to the Earliest Caliphs. ↩︎
اكتشاف المزيد من لغاتيزم
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.









