ما هو أصل اللغات وكيف نشأت؟

هل سألت نفسك يوماً من هو أول من تحدث في التاريخ؟ وما هي الكلمة الأولى التي تحدثها؟
 هل خطر في مخيلتك كيف ومتى بدأت اللغة ؟ ما الذي يجعل الكلمات تعني “كلمات” ؟ يعني كلمة  كلب- قطة-  كتاب- سيارة، ما الذي يربط في أذهاننا بين الرموز الكتابية  (الكلمات) والإشارات ومدلولها المادي والمعنوي؟ من له الفضل في اختراع “اللغة” ؟ هل اجتمع البشر مع بعضهم وقرروا فجأة أن يصنعوا اللغة؟ من قرر أن الشجرة اسمها “شجرة” والنهر  اسمه “نهر”؟

تخيل معي يا عزيزي القارئ أنك إن أردت التواصل مع شخصٍ ما أن تقوم بإخراج بعض الأصوات بشكل معين من الحنجرة والشخص الآخر يفعل ذات الشئ والمشكلة أننا نستطيع أن نفهم بعض! يا تُرى ما هو تفسير هذه الظاهرة ؟ وما هو الدافع والسر وراء اختراع البشر للغة؟

 
بدأت اللغة مع بداية الإنسان ولأن الإنسان بطبيعته كائن اجتماعي يعيش ضمن مجتمعات فتوجب عليه إيجاد طريقة لكي يتواصل مع غيره من البشر، ولأنهم يعيشون في جماعات، فمن الطبيعي أن ينشأ علاقة تعاونية ومنفعية لتحقيق مصالحهم مثل تأمين متطلباتهم الأساسية كالغذاء والماء والحماية. ولكي يديروا مجتماعاتهم بكفاءة، كان يجب أن يجدوا طريقة لكي يتواصلوا مع بعضهم ليحققوا مطالبهم المشتركة، وأن يقوموا بتسمية هذه الأدوات والموارد التي كانوا يستخدمونها بإسم شائع متفق عليه أو لكي يحذروا بعضهم من خطر سواء كان كارثة طبيعية أو حيوان مفترس. وأيضاً لأن الإنسان كائن إنفعالي بطبيعة الحال ولديه مشاعر وأحاسيس ورغبات فكان عليه أن يجد طريقة لكي يعبر عن مشاعره ورغباته مثل الفرح و الخوف و الحزن و الغضب والجوع والألم … إلخ


بدأ الإنسان في النشاطات البدائية مثل الصيد والجمع والالتقاط ومع مرور الزمن تطور البشر بحضارتهم  ومجتمعاتهم وظهرت حرف ومهن أكثر تقدماً مثل الزراعة والرعي التجارة والصناعة. التطور في أسلوب المعيشة ملازم للتطور في المفاهيم والمصطلحات وبالتالي ازدادت اللغة ثراءاً مع مرور الزمن. ساعد على تطوير وانتشار اللغة أيضًا هجرة الناس من مكان لآخر بغرض التجارة أو إيجاد مناخ وبيئة مناسبة أكثر للعيش، الغزو والحروب، وانتشار الديانات.

 

نظريات نشأة اللغة

اللغة هي تعبير عن المتن الاجتماعي والسياسي والتاريخي والتراثي والأدبي للمجتمع واختلف كتير من العلماء عن أصل ونشأة اللغة ، وهناك العديد من النظريات طُرحت حول نشأتها لكن أهم أربع نظريات هي:

نظرية التوقيف والوحي

وتقول النظرية أن اللغة هي وحي وإلهام من الله-سبحانه وتعالى-للبشر، ولا دخل للبشر في صنعها، يعني أن الله علم سيدنا آدم عليه السلام جميع الأسماء والصفات والنباتات والحيوانات والمعادن والصخور ونوع الجنسين، بجميع اللغات منها العربية والسريانية و الفارسية والعبرانية والرومية وغيرها، فلما نزل الأرض علمها لأولاده وانتشرت في الأرض. ولاقت النظرية قبولاً كبيراً بين أصحاب الديانات. ومن أنصار هذه النظرية هو اللغوي ابن فارس واستدل بالآية “وعلم آدم الاسماء كلها” ويقول أن الله علم آدم الأسماء كلها في الجنة، في حين أن علماء العبرانية والنصرانية كانوا يؤمنون أن لغة سيدنا آدم كانت العبرانية استناداً الأسماء العبرانية المذكورة في التوراة مثل: آدم وعدن وفيشون وجيجون وغيرها.


نظرية الاصطلاح

وتقول النظرية أن اللغة هي صناعة بشرية وليست وحي من الله، يعني انه تم الاصطلاح عليها بين البشر ووضعوا الألفاظ والمصطلحات واتفقوا عليها في ما بينهم. ومن أنصار هذه النظرية هو اللغوي ابن جني ويقول أن الله أوجد مَلَكَة الإبداع والإبتكار في الإنسان التي تجعله يبتكر المفردات والأسماء. ويقول ابن جني أيضاً، أن اللغة لم تظهر فجأة بل هي تدريجية بطيئة، ولهذا نستطيع تفسير تنوع اللغات، لأن كل شعب إصطلح ألفاظ ومفردات مختلفة عن الشعوب الأخرى حسب البيئة والمكان التي ولدت فيه.


نظرية المحاكاة

 وتستمد النظرية فرضيتها بالاستدلال بنظرية التطور وأن اللغة تعتمد على العامل العضوي العقلي، بحيث أن اللغة تطورت مع تطور جسم الإنسان وعقلة وقدراته الذهنية وأن أصل اللغة هي أصوات بدائية عبارة عن محاكاة وتقليد للبيئة المحيطة سواء كانت أصوات الحيوانات مثل شحيج الحمار، ونعيق الغراب، وصهيل الفرس أو أصوات مظاهر الطبيعة عندما تحصل مثل دوي البحر، وحنين الرعد، وخرير الماء، أو أنها أصوات عفوية نتيجة للرغبات والإنفعالات للبيئة المحيطة، بعدها تطورت وارتقت إلى جمل وكلمات معقدة فيما بعد.
ويُستدل على صحة النظرية في التشابه في المراحل التي يمر بها الطفل من بداية ولادته حتى يستطيع إخراج أول كلماته، لأن الطفل قبل قدرته على نطق الكلمات المفهومة  يحاكي الأصوات التي يسمعها في المحيط حواليه من الأبوين أو أصوات الألعاب والموسيقى ويستخدم إشارات عفوية بجسمه لكي يعبر عن مشاعره ورغباته وفي الأشهر الأولى دائماً يخرج دندنات وغنغنات غير مفهومة هي عبارة عن محاكاة للكلام والأصوات التي يسمعها من البيئة المحيطة وتتطور كلما تطورت الخلايا العصبية والعقلية والمراكز المسؤولة عن الكلام والنطق.

 

نظرية الغزيرة

وهي نظرية شمولية تجمع ما بين الثلاث نظريات في أن اللغة أصلها وحي من الله (النظرية التوقيفية) لكنه أوجد في الإنسان الغزيرة على ابتكار الكلمات والتعبير عن المصطلحات وتركه يصطلحها ويخترعها كيف شاء (نظرية الإصطلاح) بما في ذلك عن طريق محاكاة الأصوات الموجودة في الطبيعة (نظرية المحاكاة) وطرق أخرى.

 

 

لماذا تختلف اللغات عن بعضها؟

 

الهجرة والتفرق

هجرة وتفرق البشر في أنحاء العالم بحثاً عن بيئات أفضل في الطعام والمناخ و لهذا تجد أن الأراضي القابعة بجانب الأنهار بُنيت عليها أعظم الحضارات البشرية مثل الحضارة المصرية والصينية والهندية، واللغات التي نشأت في تلك الحضارات كانت وليدة المناخ وطبيعة الحياة وكيف اصطلحت تلك الشعوب على اختراع ألفاظها ومفرداتها. فعملية انشقاق جماعات عن الحضارة الأصلية وتفرعهم وتباعدهم كونت لهجات منشقة عن اللغة الأصلية فتصبح بعد توالي العصور لغة مختلفة فيما بعد.


العزلة

الجماعات المنعزلة عن بعض بسبب تعذر الإتصال والتواصل وبعد المسافات، تتطور بطريقة مختلفة عن الأخرى. اللغات التي تتطور بعيدة عن بعضها لا يوجد أي تشابه بينها، في حين أن اللغات التي تطورت في نفس المحيط الجغرافي قد تجد أنها تتشابه مع بعضها.


اختلاف البيئات المناخية

أشارت بعض الدراسات ان اللغات التي تنتج في بيئات حارة تختلف عن اللغات التي تنتج في بيئات باردة من حيث التعبيرات والتركيبات، لأن اللغة  تتأثر بالبيئة المحيطة، فمثلاً العرب يعيشون في بيئة صحراوية حارة لهذا تميل الصفات الحسنة إلى ما نفتقده من البرودة و الظل، في حين أن الغرب يعيشون في بيئات باردة لهذا تميل الصفات الحسنة إلى ما يبعث الدفء و الحرارة.


من الأمثلة الطريفة على التباين بين اللغتين:


The News warmed my heart — أثلج الخبر صدري


In light of the current events — في ظل الأحداث الراهنة

 

 

تطور اللغات

يعتقد العلماء أن اللغات الموجودة حالياً كان أصلها لغة أصلية أو “لغة أم” وتفرعت منها لغات أخرى تحمل نفس الصفات المشتركة في التركيب والنحو والقواعد الأصلية لكن طرأ عليها تغييرات على مدار السنين بسبب اختلاف أو تبدل الكلمات والمصطلحات والقواعد ومراحل صعود وهبوط الأمم، ولأن اللغة مقترنة بالمجتمعات اللي ولدت فيها، فالمجتمعات التي تطورت وارتقت لغتها تطور وترتقي معها والمجتمعات التي تندثر وتموت لغتها تموت وتندثر معها. فمثال على اللغات الحية: الفرنسيَّة والإيطاليَّة والإسبانيَّة والبرتغاليَّة اللي ترجع إلى أصل لاتينيٍّ أو اللغة العربيَّة والعبرية والآرامية ترجع إلى اللغة الساميَّة، أما اللغات الميتة التي اندثرت مثل الآشوريَّة والسوماريَّة والفرعونيَّة.

 

إن حاولنا مقارنة أي لغة حديثة على الأرض بشكلها القديم وحاولنا أن نقرأ نصوص منها نجد اختلاف كبير جداً في التركيب والشكل والأصوات. مثلاً إن قارنا اللغة الإنجليزية الحديثة باللغة الإنجليزية القديمة أو لغة الأنجلو-ساكسونز سنجد اختلاف شاسع في المعاني والقواعد وتركيب الجمل. وهذا دلالة على أن اللغة هي كائن حي تتطور وتنضح بمرور الزمن.

 


اللغة الإنجليزية القديمة
Hwæt. We Gardena in geardagum,
þeodcyninga, þrym gefrunon,
hu ða æþelingas ellen fremedon.


اللغة الإنجليزية الحديثة
Listen! We of the Spear-Danes in the days of yore,
of those clan-kings heard of their glory.
how those nobles performed courageous deeds.


إن من أهم عوامل اللغة هو قدرتها على التطور سواء كان نحوي أو صرفي أو صوتي أو دلالي ولكن تطور اللغة ليست بالعملية السهلة؛ لأنها بطئية جداً وتظهر نتيجتها بعد مرور عقود وقرون ويكون ملازماً للتطور في المجتمعات البشرية:

أ- التأثر بلغات شعوب وثقافات أخرى بسبب الحروب والغزوات فالشعب المهزوم عادة يتطبع بلغة وحضارة الشعب الغالب مثل التأثير النورماندي على اللغة الإنجليزية القديمة عندما احتل النورمان إنجلترا في القرن الحادي عشر وبالتالي دخول مصطلحات فرنسية وجرمانية على اللغة الانجليزية.

ب- الإنصهار والامتزاج بين الشعوب المتقاربة جغرافياً مثل تأثير اللغات العربية والفارسية والتركية على بعضها خلال العصر الإسلامي أو تأثر العبرية الحديثة بالعربية الفصحى والعامية.

ج- الإثراء الأدبي الناتج من الجهود المبذولة من الأدباء والشعراء والكُتاب تأثرهم بأساليب اللغات الأجنبية عنهم، واقتباسهم و ترجمتهم لمفردات ومصطلحات تلك اللغات والانتفاع بأفكار أهلها وإنتاجهم الأدبي والعلمي؛ وهذا ينعكس على لغتهم ويكون له أثر بليغ في نهضة لغتهم في صورتها المكتوبة. مثل قيام النهضة الأوروبية اللي كانت نتيجة ترجمة وإعادة إحياء للأعمال الأدبية الكلاسيكية وصياغتها لتتناسب مع للأفكار الجديدة والحديثة.

 

د- ظهور مفاهيم ومصطلحات جديدة تستدعي استحداث مفردات وألفاظ جديدة نتيجة للتقدم التكنولوجي مثل:

ـ الاختراعات أو الاكتشافات الجديدة مثل التلفاز والهاتف والحاسوب والإنترنت.
ـ ظهور علوم مستحدثة مثل علم الجيولوجيا (علم الصخور) والسوسيولوجي (علم الإجتماع) وعلم الباثولوجي (علم الأمراض).
ـ الأفكار والفلسفات السياسية الجديدة المكتسبة من ثقافات أخرى مثل الديموقراطية والشيوعية والليبرالية والفاشية وغيرها.

 


اكتشاف المزيد من لغاتيزم

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد