إن التَّزَيُّنْ والتَّجَمُّل هو فطرة أساسية زُرِعَت في الإنسان منذ بزوغ التاريخ، لهذا مارست معظم الحضارات العريقة القديمة مثل المصريين القدماء والسومريين والآشوريين والإغريق والرومانيين والفرس والصينيين والهنود نُظُماً تجميلية شعبية عبر آلاف السنين. اشتملت هذه النُظُم العتيقة على أشكالٍ وألوان من الطقوس التجميلية تعتني بالنظافة الشخصية والمستحضرات التجميلية والعناية بالبشرة والشعر والأسنان. كانوا يحصلون على هذه المستحضرات من خلال مزج مختلف التركيبات لعمل الأدهان واللطوخات والعطور التي تستخرج من نباتات ومواد طبيعية من البيئة المحلية. مارست الشعوب هذه العادات التجميلية التزاما بالموروثات الثقافية التي تستقضي استيفاء مظهر جمالي مثالي معين ولمداواة العلل الجلدية والتشوهات التي تصيب الناس. لم تكن هذه الممارسات غريبة على العرب.
على النقيض من الحضارات المحيطة بالجزيرة العربية مثل مصر والعراق والشام وبلاد فارس، لا توجد معلومات وافرة عن ضروب الزينة ومستحضرات التجميل التي اتبعتها النساء العربيات قبل الإسلام حتى ظهور عصر الخلافات الإسلامية. إن الإشارات الواردة عن طرق التأنق وتحسين المظهر في شبه الجزيرة العربية شحيحة بسبب قلة التجسيدات الفنية وقلة مخلفات القطع الأثرية المتعلقة بأوعية حفظ الأصباغ وأدوات التجميل، بالإضافة إلى الكتابات التاريخية التي تضن علينا بالمعلومات عن طرق الزينة وبالأخص النسائية وملامحهم الخارجية.
فالمؤرخين الذين أسهبوا في وصف الشعوب والثقافات في العالم الغابر ذكروا محاسن العرب وعظم جاههم والثروات الغنية التي امتلكوها من المواد العطرية مثل اللبان والمر والإصطرك، والمعادن النفيسة من الذهب والفضة، لكنهم نادراً ما علقوا على طرق ملبسهم وتأنقهم، خاصة للنساء. يقول بليني الأكبر وهو أشهر المؤرخين الرومانيين في العالم القديم عن العرب: “و يغطي العرب رؤوسهم بعمامة أو يسيرون بشعورهم مرسلة دون أن تقص و يحلقون ذقونهم و يطلقون الشوارب و منهم أيضاً من يطلق اللحى”.
أما النساء لم يسترسل في كلامه عنهن وحصل هذا الإشكال مع العديد من المؤرخين الأجانب أيضاً. فمن المراجع القليلة المعاصرة التي وصفت لباس العربيات تعود للاهوتي المسيحي ترتليان من القرن الثالث الميلادي، وهو يصف في كتابه (حجاب العذارى)، عن مدى احتشام العربيات وارتدائهن للحجاب، ويدعو نساء أمته بالاقتداء بهن، فيقول:
”إن الوثنيات العربيات سيصبحن حجة عليكن، فهن لا يغطين الرأس فقط بل كامل الوجه أيضًا، بحيث يكتفين بإظهار عين واحدة، ليتسنى لهن رؤية نصف النور على أن يسفرن بالوجه كله. فالمرأة أفضل لها أن تَرى بدلاً من أن تُرى.”
أول نوع من الزينة لها ارتباط وثيق مع الشعوب السامية والعرب بشكل عام هو الكحل. قيل إنّ زرقاء اليمامة الشهيرة هي أوّل من اكتحل بالكحل بين العرب وهي اليمامة المعروفة بالمثل الّذي ضرب بحدّة بصرها. وزرقاء اليمامة هي امرأة نجدية من جديس اليمامة يقال انها كانت ترى الشخص على مسيرة ثلاثة أيام.
ويروى انه في إحدى الحروب استتر العدو بقطع الأشجار وحملها أمامهم فرأت زرقاء اليمامة ذلك فأنذرت قومها فلم يصدقوها. فلما وصل الأعداء إلى قومها أبادوهم وهدموا بنيانهم وقلعوا عين زرقاء اليمامة فوجدوها محشوة بالأثمد وهو حجر أسود كانت تدقه وتكتحل به فقيل بعد ذلك لمن يكون حاد البصر : « أبصر من زرقاء اليمامة وعُزي قوّة بصرها الحاد بسبب الكحل الذي اعتادت على استعماله. وهذا يدل على مدى تأصل فكرة العيون الكحيلة والكحل في الوجدان العربي والموروث الثقافي العربي منذ قديم الزمان.
أول مؤرخ قديم أشار إلى استخدام الكحل هو المؤرخ اليوناني سترابو وهو يتحدث عن نساء قوم يطلق عليهم اسم “التروجلوديتي” ومعناها في اليوناني سكان الكهوف، وهم مجموعة من البدو يسكنون على طول الجزء الغربي من البحر الأحمر وتحديداً ابتداءً من أقصى الشمال في مصر ناحية خليج السويس حتى برنيس أو إلى إقليم الحبشة قبال باب المندب في الجنوب. ويذكر أن نسائهم: “يكتحلون بعناية بالإثمد (الأنتيمون) ويرتدون الأصداف حول عنقهم لتحميهم من شرور الشعوذة” 1

وهذا الوصف يتفق مع الأدلة المادية الباقية من الحضارات العربية أو السامية، فالنحوت النسائية والفنون التصويرية لمختلف الحضارات السومرية والآشورية والنبطية والفينيقية وحضارات اليمن السعيد تتزيا فيها النسوة في أبهى الملابس وتتحلى بأروع الحلي والجوهر إلى جانب إبراز مواضع جمال المرأة وأهمها العين الواسعة الكحيلة والشعر المنسدل السبط أو المموج والمصفف بعناية وهما من أهم مظاهر الجمال العربي. فالعيون تأخذ الحيز الأكبر في تكوين المنحوتة على حساب الأجزاء الأخرى، بحيث يحددون حول العيون ويلونوها باللون الأسود للدلالة على تكحيل العين. ففي المنحوتات الآشورية التي تعود للقرن الثامن أو التاسع قبل الميلاد، كانت العادة أن تطعم الحواجب والعيون بمواد سوداء أو تلون باللون الأسود لكي تبرزها. فعيون منحوتة “الموناليزا” الآشورية مازالت محتفظة بلونها الأسود.2
الحضارة المصرية التي نشأت على ضفاف النيل هي من أكثر الحضارات ثراءً في المخلفات المادية الأثرية والنصوص المؤرخة، إن لم تكن أكثرها في التاريخ، وخصوصاً من ناحية أساليب الزواق النسائية والمواد التي استخدمت لعمل الأصباغ التجميلية والعطور ومستحضرات تحسين البشرة وترطيبها والعناية بالشعر، بجانب الحاويات المستخدمة لحفظها مثل القوارير والصناديق والأحقاق، والأداوت المستخدمة في وضعها على الوجه مثل الفرجون والملعقة والمرود.

ينبع ذلك من التقاليد الجنائزية للقدماء المصريين حيث كانوا يدفنون موتاهم بأبهى الملابس والحلي والأغراض ليأخذوها معهم في الآخرة، بالإضافة إلى مناخ مصر الحار الجاف وطرق التحنيط والدفن التي حافظت على هذه الأمتعة الجنائزية من الفناء لمدة آلاف السنين. إن تاريخ تزيق النساء المصريات وطرق تأنقهن وهندمتهن لمظهرهن الخارجي وأساليب تصفيف شعورهن من أكثر المواضيع تأريخاً بسبب الوفرة في التصويرات الآدمية والفنون التجسيدية للمصريات وتوفر الجثث النسائية في المقابر الفرعونية وهي محفوظة بشكل شبه كامل وملحقة بالمتعلقات الشخصية من الزينة التي كن يستعملنها سواء كنًّ من الطبقات النبيلة أو عاميات.
فالمصريات القديمات معروف عنهن بأنهن كن رائدات العالم القديم في الإكتحال واكتُشِفَت عينات من الكحل في المقابر تعود لعصور ما قبل الأسرات أو حضارة البدارى.3 يُعرف عن الملكة حتشبسوت أنها كانت تكتحل بكحل معمول من اللبان المحروق. والجداريات على المقابر الفرعونية وتماثيل المعبودات والملكات المصريات تبرز جمال المصريات القديمات عبر إظهار العيون الكحيلة كأهم مكون في التكوين الفني. فتمثال الملكة نفرتيتي هو خير مثال على معيار الجمال المصري القديم؛ العيون الواسعة اللوزية مكحلة بالكحل وحواجب مرسومة ووجنتين وشفاه محمرة.
وفي المرتبة الثانية تأتي حضارات مابين النهرين في العراق من حيث الوفرة في الإرث الأركيولوجي، خاصة في الحضارة السومرية والآشورية. فطرق دفن العراقيين القدماء ساعدت أيضاً المؤرخين والباحثين في فهم أساليب زينة وزواق النساء العراقيات قديماً بسبب توفر مواد الزينة وملحقاتها في العديد من المقابر الملكية حتى بعد مضى ألآف السنين.
كانت النساء في بلاد الرافدين مثل نظيراتهن المصريات قد استعملن مواد التجميل المختلفة لإظهار أنفسهن بالمظهر اللائق، واستخدمن المساحيق لإظهار الجاذبية عليهن، فكانت النساء تعملن على تجميل العينان والبشرة بواسطة أصباغ ذات لون ابيض واحمر واصفر وازرق واخضر واسود، وقد وجدت بقايا أعشاب على أصداف في القبور الملكية في أور. كما استعملت المرأة السومرية احمر الشفاه إذ ذكر في قائمة سومرية ترجمة إلى (معجون الذهب) والترجمة الاكدية المرادفة هي (الصبغ الأحمر للوجه)، وفي النصوص الأدبية ففي قصيدة للملك (شولكي) جاء فيها:
بعد أن أزين أعضائي ..
بعد أن ادهن بالعنبر شفتيواضع الكحل على عيني …4
تتناول قلة قليلة من الدراسات في علوم الأنثروبولوجيا الأثرية البحث في شأن الحضارات العربية القديمة قبل العصور الإسلامية، خاصة في الفترات التي تسبق عصر الجاهلية في التاريخ القديم. يواجه المؤرخون والباحثون المهتمون في شؤون تاريخ الجزيرة الكثير من الصعوبات في الحصول على المعلومات بسبب أن منطقة الجزيرة العربية لا تحظى بالتغطية والاهتمام الكافي في مجالات البحوث الأكاديمية المتخصصة بالمقارنة مع الحضارات القرينة بها في محيطها.
إن كل بقعة في شبه الجزيرة العربية تأثرت بمتأثرات أجنبية ذات طابع مختلف وفقاً لعلاقاتها التجارية وحلفاؤها السياسيين والبعد من مراكز السلطة.5 فكان العرب عرضة للتأثر بجميع الحضارات في محيطهم الجغرافي مثل الإغريق والرومان والمصريين والسومريين والآشوريين والفرس والسنديين وحتى الأفريقيين. ولهذا السبب؛ إن التصورات الجمالية المثالية عند العرب سواء في .الملبس والشعر والحلي وطرق الزينة تختلف حسب أقرب قوة سياسية-اجتماعية مهيمنة عليهم
الفنون هي أحد أهم أضلع التصورات الجمالية النابعة من الفكر الأصلي والمتدرج طبيعياً لأي شعب. الفنون التي انبثقت من مختلف الأماكن في شبه الجزيرة العربية بدءاً من العصر البرونزي حتى القرن الأول من الميلاد هي مرآة للتنوع والتباين في تصورات العرب الفنية الموجودة حسب أيٍّ من الحضارات المتأصلة كانت مطلة عليها جغرافياً.
فالجزء الشرقي من الجزيرة تأثر بفنون بلاد الرافدين ولاحقاً بالفرس، أما الشمال الغربي تأثر بالهلنستية الإغريقية. وشمال الجزيرة بسبب مكانها بمقربة من الحضارات السامية القابعة على حدودها في الهلال الخصيب والحضارة المصرية، كان من الطبيعي أن تتأثر بهذه الحضارات أيضاَ. أما منطقة أقصى الجنوب (عمان واليمن) كونت فنونها المحلية في مقتبل الأمر لكن مع مرور الزمن تأثرت هي أيضاً بالفنون الهلنستية والرومانية،6 ووجودها على خط طرق التجارة في البحر الهندي جعلتها عرضة للتأثر من الشرق من السند والفرس ومن الشمال من المصريين وبلاد الرافدين وحتى من منطقة القرن الأفريقي.
كان سكان المستوطنات العربية، وخاصة هؤلاء الذين يسكنون سواحل شبه الجزيرة العربية، يستوردون الأغراض المستخدمة في الأنشطة الحياتية من الخارج مثل الفخار، والآنية، وأدوات الصيد، والأشياء الخاصة بالطقوس الدينية، والأوزان، والأختام، وكذلك مواد الزينة، والمجوهرات والحلي. أسفرت التنقيبات في عدة مواقع أثرية في ممالك ودويلات نشأت في أرجاء الجزيرة عن اكتشاف العديد من أدوات الزينة مثل الحلي والأمشاط والدبابيس والمرايات والقوارير والقنينات لحفظ العطور والأدهان والخرز الملون. كانت هذه الأدوات والمواد تستورد من حضارات أخرى أو مصنوعة محلياً لكنها على طراز هلنستي أو روماني أو إيراني، إلخ، او أحياناً كانت تصنع على شكل هذه الطرز في مبدأ الأمر لكنها تطورت وأخذت طابعاً محلياً.
يمكن إعادة إحياء وفهم أساليب الزينة والتجميل التي اتبعتها العربيات القديمات عن طريق تتبع بقايا أثريات مواد الزينة المكتشفة في أنحاء الجزيرة العربية. لكن مع الأسف، لم تكتشف العديد من البقايا المادية (الموجودة عادةً في المقابر في المستوطنات القديمة) تنتمي إلى الشعوب العربية القديمة (والنساء على وجه الخصوص) والتي يمكن أن تساعدنا في إلقاء بعض الضوء على تقاليد التجميل اليومية ومواد الزينة. يعود سبب الندرة لهذه البقايا إلى التلف والفناء بفعل عوامل الطبيعة أو مراسم الدفن التي كانت غير مساعدة على حفظ هذه البقايا أو العبث البشري والنهب والسرقة.
إن غياب أوعية حفظ مستحضرات الزينة (بالإضافة إلى بقايا الأصباغ والمواد المستخدمة) يعرقل عمل الباحثين في عمل التحليلات الكيميائية وفحوصات البنية البلورية الدقيقة لمكونات هذه الأصباغ ومعرفة طرق تركيب هذه المواد التجميلية المعاصرة لتلك الفترات.
مصادر الأصباغ في العصور القديمة

في عام 1992، عثر الباحثون على نصف صدفة بحرية من فصيلة مارسيا هياناتا في موقع تل الأبرق في الإمارات تعود إلى أوائل العصر الحديدي وكانت تحتوي على مادة خضراء بداخلها (ثوماس وبوتس 1996). قام عالم الفلزات ريتشارد ثوماس في جامعة ويسترن سيدني بتحليل هذه المادة الخضراء الغامضة باستخدام تقنية حيود الأشعة السينية واكتشف أن هذه المادة هي مادة الأتَكَمِيت (Cu2Cl(OH)3) وهي نوع من معادن الهاليدات لفلز النحاس، ولونه أخضر وكان يدق ناعماً ويعمل كمسحوق يستخدم قديماً مِكياجاً لتلوين العيون.7
عُثر في مقبرة في شرم في الفجيرة (النصف الثاني من الألفية الثانية قبل الميلاد) على إحدى عشرة نصف صدفة ثنائية المصراعين ونصفين مكسورين. وقد احتوت عشرة من أنصاف الأصداف ثنائية المصراعين والنصفان المكسوران على تركيزات و/أو آثار لمادة خضراء ملتصقة بأسطحها الداخلية واختلفت التركيزات من حيث الحجم والشكل. ويبدو أن هذه الأصداف كانت تستخدم كحاويات لحفظ المواد الموجودة في تجاويفها الداخلية. كانت هذه الأصداف مماثلة للأصداف الموجودة في تل الأبرق. 8 عند تحليل هذه المواد الخضراء اتضح أنها مكونة بشكل أساسي من سيليكات النحاس (الكريسوكولا) وأكاسيد/كربونات/هيدروكسيدات النحاس (غالباً الأكسيد كوبريت).9
كشفت التنقيبات في مقبرة كيش، وهي موقع سومري مهم من الألفية الثالثة في بلاد ما بين النهرين، عن أصداف بحرية مماثلة تحتوي على صبغة الكحل وصبغة باللون الأخضر وُجِدَت في قبور الرجال والنساء.10 ظهرت العديد من أوعية حفظ مستحضرات التجميل في مقبرة أور الملكية من الألفية الثالثة في حضارة بلاد ما بين النهرين، مما يبين شيوع استخدام الأصباغ لتلوين وتزين الوجه منذ زمن طويل. وكانت أكثر الألوان شيوعاً هي الأسود (الكحل) والأخضر (ظلال العيون/كحل) وكانت هناك ألوان أخرى مستخدمة.
أزالت التحليلات بتقنية حيود الأشعة السينية الغموض عن أكثر الألوان شيوعاً لتلوين الوجه في تلك الفترة وأهمهم الأخضر والأسود بدرجات متفاوتة وبعدها أتى اللونان الأزرق والأصفر وفي المرتبة الأخيرة جاء اللون الأحمر واللون الأرجواني.11 وعند تحليل البنية البلورية للأصباغ الخضراء في تلك الأصداف، كان اثنان منهم من معدن الأتَكَمِيت مركباً مع الأزوريت والأباتيت.

لكن معظم الحضارات قديماً كانت تحصل على الصبغة الخضراء لعمل أصباغ العين بشكل رئيسي من الملاكيت (الدَّهْنَج) وهو مكون من كربونات النحاس القاعديه. فمن قديم الأزل، يعرف عن المصريين القدماء ولعهم الشديد بالملاكيت كصبغة تجميلية زرقاء أو خضراء يضعونها على عيونهم وكانوا يكتحلون به، ولكن لا يوجد دليل قاطع على استخدام المصريين للأتكميت كصبغة تجميلية خضراء.
ومع ذلك، وجدت دراسة أجريت على مستحضرات تجميل العيون المصرية القديمة في جامعة مانشستر، مع التركيز على عينتين، وكانت عينة واحدة على وجه الخصوص، 6621B، تتكون من 62.9% كلوريد النحاس (باراتاكاميت وهو شكل آخر للأتَكميت، كلوريد هيدروكسي النحاس القاعدي) و20.2% سيليكات النحاس (يُفترض أنها الكريسوكولا غير المتبلور)، و13.0% كوارتز مع البقية التي تتكون من أكسيد النحاس/كربونات النحاس (الملاكيت) والكالسيت وسيليكات الكالسيوم.
وعزا الباحثون وجود نسبة وافرة من الباراتاكاميت إلى تحلل رواسب الملكيت والكريسوكولا والكوارتز الطبيعية بسبب القرب من ساحل البحر الأحمر الذي حوّلها على مدى فترة طويلة عند التلامس المستمر مع مياه البحر المالحة إلى باراتاكاميت.12
يبدو أن الأتَكَميت كان يستخدم كصبغة تلوينية في الفنون وليس شائعاً كخضاب للزينة. أظهرت بعض الأبحاث الحديثة أن الأتكميت كان يستخدم مع الأزرق المصري (cuprorivaite CaOCUO(SiO2)4) لإنتاج صبغة خضراء لتلوين العديد من أوراق البردي.13 ووفقًا لدراسة فحواها تحليل الأصباغ الموجودة على تابوت خشبي مصري متعدد الألوان يعود تاريخه إلى العصر اليوناني الروماني، تم تحديد الأتكميت (أو أحد أشكاله المتعددة أو الباراتاكاميت أو الكليونواتاكاميت) أنه السبب في إعطاء صبغة خضراء داكنة للتابوت. ويبدو أن أحد تفسيرات وجود الأتكميت أو مشتقاته هو نتيجة تحلل اللون الأزرق المصري بفعل ملامسته لمحاليل عالية التركيز من الكلوريد.14 والدهنج استخدم كصبغة تجميلية للعيون عند باقي الحضارات في البحر الأبيض المتوسط مثل الإغريق والرومان بالإضافة لحضارات ما بين النهرين في العراق.
إن المستوطنين الذين عاشوا في الجزء الغربي من ضفاف الخليج العربي قد استخدموا المواد الطبيعية المتوفرة في البيئة مثل حجر الأرض والحجر الناعم والقواقع والأصداف والمرجان والحجر الصابوني أو المعادن المحلية مثل النحاس لعمل أدوات الإستعمال اليومي وحاويات التخزين والحفظ. في المصادر السومرية القديمة، عُرفت ماجان (عمان القديمة) بأنها المورد الوحيد للنحاس إلى بلاد ما بين النهرين. ناهيك عن وجود رواسب غنية بالمنجنيز في عُمان آيضاً.15 وكان هذان الخامان المسؤولان عن صناعة الصبغات الخضراء والسوداء يُنقب عنهم محليًا ويُعملان كأصباغ تجميلية للسكان.
كانت أصباغ الوجه تأتي من مصادر معدنية في المقام الأول في العالم القديم، وتضاف لها مواد معدنية أخرى بالإضافة للمواد العضوية كالشموع أو الدهون لتثبيتها وليسهل تلطيخها على الوجه.
صُنعت أوعية حفظ أصباغ الوجه التي استعملها المستوطنون من هذه الخامات المتوفرة محلياً. لكن أوعية الحفظ غالية الثمن كانت تستورد من الخارج أو تصنع محلياً لكن كانت تصنع من خامات مستوردة مثل العاج (السند)، أو الذهب (إيران)، أو المرمر والفاينس (مصر)، أو الخشب (بلاد حوض البحر المتوسط). عُثِرَ على مكحلة من العاج في مقابر الظهران في شرق السعودية ترجع للألفية الثالثة قبل الميلاد.16
اكتشف علماء الآثار الذين قاموا بفحص جميع المواقع الأثرية في جميع أنحاء الإمارات العربية المتحدة عددًا كبيرًا من بقايا الرخويات (أكثر من 18 نوع من بَطْنِيَّاتُ القَدَمِ المختلفة و20 نوع من ثنائيات الصدفة المختلفة)، وهو نتيجة منطقية للاستيطان البشري بالقرب من البر الساحلي. يبدو أن سهولة توفر الأصداف والقواقع البحرية للمستوطنين جعلها أكثر الأدوات ملائمة في استخدامها كحاويات لحفظ مختلف الأشياء المستخدمة في الحياة اليومية. فهناك أدلة على أن القواقع كانت تستخدم كرضاعة لإطعام الرضع. حيث أن الأثريين عثروا على عدة قواقع في تل الأبرق كانت تستخدمها النساء كرضاعة تستعملها لسقي أولادهن الماء والحليب والدواء.17
وكانت تستخدم كذلك لحفظ مستحضرات التجميل والزينة وخلط مختلف أصباغ الوجه. فهناك أمثلة أركيولوجية مادية تدل على استخدام الصدف كحاويات لحفظ أصباغ التجميل في العديد من حضارات التاريخ القديم مثل الإغريق18 والفينيقيين والقرطاجيين19 والسومريين والمصريين وغيرهم من الحضارات.
الشواهد الأثرية في شبه الجزيرة العربية توكد استخدام ساكنين المستوطنات التي ظهرت في شبه الجزيرة أنواعاً كثيرة من أصداف البحر. يوجد في إحدى المستوطنات التي عثر عليها المنقبون مئات من بقايا صدف البحر، وهذه المستوطنة اسمها مسافي في الإمارات تعود إلى 3,600 عام، خاصة في قسم مسافي 5. كانت الرخويات الموجودة في هذه الأصداف لها دور غذائي للمستوطنين المحليين علاوة على أدوار أخرى. من أهم هذه الأدوار هو أنها استخدمت في صنع الزينة والحلي والمواعين وأدوات الصيد وأوعية الحفظ، منها أواعي حفظ مستحضرات التجميل.
هناك إشارات عدة على استخدام القواقع الصدفية كحاويات صغيرة للأصباغ (غالباً صبغات تجميلية) ابتداءً من العصر البرونزي والعصر الحديدي في شرق الجزيرة العربية (مثال ثوماس وبوتس 1996; مايسا 2000; كليزوز وتوسي 2007: 177, صورة. 181; بورجي al. 2012). وبشكل غريب، كانت معظم الأصداف التي تستخدم كأدوات للحفظ تنتمي لنفس لنوع: غالبًا ما يكون المحار من الظُرْظُريات وبنات الخُلُول وبشكل أقل من الزوهر والمَشَّاقِيَّات (بكتينيدا). واكتُشِفَت بقايا صبغات خضراء وسوداء والتعرف عليهم أنهم مواد بها تركيبات من أكسيد النحاس وأكسيد المنجنير (الأتَكَمِيت والبيرولوزيت) (جياردينو 2019: 83, شكل . 7.30).20 وهي الأصباغ المستخدمة في عمل الكحل وظلال العيون.

وفي ساروق الحديد، ظهر عدد من الأصداف من ذوات المصراعين او ذوات المصدفتين، بعضها مغلق وبعضها الآخر مفتوح، مسننة الأطراف وعليها حزوز طولية غثرة من الخارج قد وجد بداخلها مادة خضراء هي أكسيد النحاس أو كربونات النحاس، ومادة سوداء، ربما تمثل بقايا أصباغ أستخدمت للتجميل أو كحل شكل <١٦>. 21


كشفت الحفريات في إحدى المقابر في موقع وادي سوق في بلاد الشهوم (الظاهرة، عُمان) عن العديد من أدوات الاستخدام اليومي، بما في ذلك أدوات للزينة والخرز والأصداف البحرية المتنوعة. حيث أنهم وجدوا شظيتين من صدفتين (قطعة 41 وقطعة 42)، ربما من نوع أنادارا أو تراكيكارديوم في القبر ج 3-ب. كما هو موثق في مقابر فترة وادي السوق في شمال أدم (جيرنز وجيراود، 2015:117) فعلى الأغلب، استُخْدِمَت كحاويات للمواد التجميلية (كالكحل) من الألفية الثالثة (بورجي ومايني، 2020:133، 10.4).
أحياناً، كانت هذه الأصداف المستخدمة في حفظ الأصباغ تصنع من مواد معدنية ثمينة. فمثلاً، لقد عثر الباحثون على أصداف اصطناعية من نحاس وذهب وفضة في قبور ملكات سومريات. وداخل هذه الأصداف كان يوجد بقايا أصباغ متحجرة كانت على شكل معجون في السابق. تشير هذه البقايا إلى أصباغ من اللون الأبيض والأحمر والأزرق والأصفر والأخضر والبنفسجي والأسود أو البني الغامق.22 إن متحف بنسيلفانيا به وعاء من ذهب على شكل محار مخطط يحفظ مستحضر تجميلي بداخله طلاء أخضر (متحجر)، كان قد عثر عليه في غرفة دفن للملكة بونابي في أور يرجع إلى النصف الأول من الألفية الثالثة قبل الميلاد.
وأول من استخدم الحمرة لتلوين الشفاه هم السومريون. اِكْتُشِفَت أول حمرة للشفاه تعود ل 3500 سنة قبل الميلاد لملكة سومرية اسمها شوب-اد وكانت مصنوعة من أبيض الرصاص ومسحوق صخور حمراء.23 كشف التحقيق في تركيبة محتويات الصدفة التجميلية التي تحتوي على مسحوق أحمر مستخرج من المقبرة الملكية في أور عن استخدام الهيماتيت (أكسيد الحديد)، وهو صبغة طبيعية يمكن الحصول عليها بسهولة من الأرض.24
يبدو أن منطقة جيروفت في إيران كانت على موعد مع اكتشاف حمرة للشفاه والوجه يعود تاريخها إلى الألفية الثانية قبل الميلاد. كانت عبارة عن قارورة من الكلوريت بها صبغة حمراء وجاء اللون الأحمر للصبغة من مسحوق معدن الشاذنج (حجر الدم أو الهيماتيت) بالإضافة إلى معادن ومواد عضوية أخرى (غالباً شمع أو زيت نباتي) لعمل أحمر شفاه يشبه أحمر الشفاه المستخدم في يومنا هذا.25
وقد استعمل المصريون القدماء المغرة الحمراء لتلوين الشفاه والوجنات باللون الأحمر. حيث عُثِرَ على على الكثير من أدوات ومواد الزينة بالمقابر المصرية القديمة، وعلى الكثير من بقايا هذه الألوان على ألواح الزينة في المقابر، والغالب أن المصريات لون به خدودهن وشفاههن، وكان طلاء الأظافر معروفاً لديهن، كما كانوا يطلون الشفتان باللون الأحمر ، وربما كان يصنع من الشحم والمغرة أو الشحم مع أحد النباتات التي تستخدم في الصباغة، وكان الطلاء يوضع على الشفاه باستخدام الفرش أو ملاعق التجميل، وكان يتركب من المغرة الحمراء والدهن مع قليل من صمغ الراتنج. 26
ويقال أن كليوباترا الملكة المقدونية التي حكمت مصر في عصر الدولة البطلمية عملت لنفسها أحمر شفاه من صبغة القرمز من حشرة القرمز التي تنمو على أشجار السنديان القرمزية الموجودة في أنحاء البحر المتوسط.
ولقد استخدم الفنينقيون العديد من الملونات الحمراء من عدة مصادر. وقد كشفت تحليلات لـمساحيق التجميل الحمراء/الوردية التي عُثر عليها في العديد من المواقع الفينيقية عن وجود مادة الزنجفر والهيماتيت كملونين رئيسيين لإكساب الحمرة لونها الأحمر. كما حددوا أيضاً الفوة كملون أحمر آخر ولكن على نطاق أضيق بكثير. 27 وأثبتت بعض التحاليل البلورية لعدة مستحضرات لتحمير الخدود والشفاه التي استعملتها النساء الرومانيات قديماً أن الفوة كانت مستخدمة في تلوين الحمرة.

يبدو أن ساكنات الجزيرة العربية قد استعملن مواد مشابهة لعمل أصبغة تحمير الشفاه والوجه. وُجد في المدفن رقم (٨٣) بموقع رأس الحمراء الأثري بقايا امرأة يبلغ عمرها (١٨–٢١) سنة، مع قرابين ثمينة، تضمنت أصدافًا بحرية، وقلادة بها (٢٧) خرزة صدفية، ودبوسين من العظم، وثلاث حصوات حمراء باهتة اللون، وحجرين مصقولين من (الهيماتيت)، وأداة عظمية ثنائية الحد، كما تضمنت الحلي التي ارتدتها الفتاة عند دفنها حلقًا حجرية، وقلادة من الصدف، وسوارين، أحدهما من ألواح صدفية، والآخر من خرزات صدفية وحجرية، يبلغ عددها (٢٣)، هذا بالإضافة إلى لؤلؤتين مثقوبتين.28
استعرض معرض جيروسيليم (القدس) بعض المكاحل المنمقة من شرق إيران وباختريا على شكل حيوانات تعود للألفية الثانية قبل الميلاد.29 كان الكحل هو من أهم مستحضرات التجميل المستخدمة في الشرق الأدنى القديم. تؤكد الأدلة المادية لمعظم حضارات الشرق الأدني استخدام الكحل وأهمهم الحضارة المصرية وحضارة بلاد مابين النهرين وحضارات الهلال الخصيب والحضارات الفارسية.
فمن ضمن الأغراض الجنائزية المدفونة في مقابر ومدافن في سومر ومصر وفينيقيا وآشور وباختريا وفرثيا وغيرها من الإمبراطوريات الشرقية القديمة وجدوا أمثلة لا تعد ولا تحصى من المكاحل والمراود. فجيرانهم في شبه الجزيرة لابد وأنهم استعملوا نفس المواد التي استخدمها سكان تلك الحضارات.
أثبتت دراسة لبعض المكاحل المعثور عليها في موقع أثري في وسط إيران تعود للعصر البرونزي (1200–900 ق.م) استخدام مركبات الرصاص لعمل شتى الأكحال بألوان مختلفة، سواء كان ذلك من معادن رصاصية موجودة في الطبيعة أو بشكل اصطناعي-كيميائي.30 أما المصريين والسومرين فحدث ولا حرج، وذلك لأن معروف عنهم استخدام معادن الرصاص مثل الغالينا أو معادن المنجنيز مثل البيرولوسيت لعمل الكحل.
في أثناء الحفريات في رأس الجنز على طول ساحل عمان عُثِرَ على أصداف بداخلها أصباغ سوداء تعود إلى حوالي عام 2300 قبل الميلاد (الموقع RJ-2 في كليوزيو وتوسي، 2007، ص 175). وتعرفوا على المادة الملونة في هذه الصدفة على أنها معدن بيرولوسيت المنجنيز (MnO2)، واكتشفوا وجود الجير كمكون إضافي. وتعرفوا على فصيلة الأصداف أنها أنادارا إهرنبرغي، التي تنتمي إلى فصيلة الأركيداي. وبالتالي فهي تشبه الأصداف التجميلية من أور.31
وجدت بعثة أثرية في موقع أثري عماني آخر في رأس الحد (من النصف الثاني للألفية الثانية ق.م) صدفتين تجميلتين تحوي كل منهما صبغة تجميلية، الأولى صدفة من نوع بكتين وبها صبغة سوداء ناتجة عن معدن البيرولوسيت، والصدفة الثانية من نوع أناندارا وبها صبغة خضراء ناتجة عن معدن الأتكميت ومسحوق الجبس.32
تتوافق النتائج المستخلصة من هذه الحفريات، وخاصةً من المواقع الجنوبية الشرقية في الجزيرة العربية، مع دراسةٍ نُشرت مؤخراً تتناول ستة أصداف بحرية تجميلية تحتوي على صبغات داكنة وخضراء عُثر عليها في مواقع تعود للعصرين البرونزي والحديدي في الصلوت وواحة بسية في عُمان. احتوت الصبغات الخضراء على هيدروكسيد كلوريدات النحاس أتاكاميت/باراتاكاميت، بينما كانت الصبغات الداكنة نتيجة لمعادن مختلفة تحتوي على عنصر المنجنيز.33
تتمتع المناطق الجنوبية الغربية لإيران والمناطق الساحلية الشرقية لشبه الجزيرة العربية بعلاقات تجارية تاريخية، ومن المفترض أن يكون سكان المستوطنات الشرقية في شبه الجزيرة العربية، وخاصة ذو المكانة العالية، قد استوردوا العديد من مستحضرات التجميل ومواد الزينة الشخصية من إيران وبلاد الرافدين أو تعلموا طرق تصنيعها بالمواد الخام المتوفرة محلياً.
نظراً للتطابق بين مكونات الألوان والأصباغ المستخدمة في تلوين الوجه بين معظم الحضارات في الشرق الأدنى القديم (حمرة: الشاذنج/المغرة (الطين أو التراب الأحمر)، الكحل: الإثمد/الغالينا/أكسيد الحديد/أكسيد المنجنيز، ظل العيون: ملاكيت/أتكميت، بودرة الوجه: إسفيداج/كالسيت/لوريونيت)، لا يوجد سبب قوي يمنعنا من افتراض أن المستوطنين الذين كانوا يعيشون في شبه الجزيرة استعملوا نفس المواد الخام التي استعملها المصريون والسومريون والفرس واليونانيون والرومان لعمل مستحضراتهم التجميلية. والأصداف المنقب عنها في تل الأبرق وغيرها من المواقع الأثرية في شبه الجزيرة المحتوية على نفس الأصباغ التي عند تلك الحضارات دليل على أنهم قد استعملوا نفس المواد التي استعملها جيرانهم.
في حين أنه لا توجد أدلة مادية تذكر على وجود أصباغ تجميلية حمراء وزرقاء وبيضاء وصفراء وأرجوانية في السياقات الأثرية في جميع أنحاء الجزيرة العربية كما هو الحال مع نظائرها في المنطقة، يبدو أن استخدام الأصباغ التجميلية السوداء والخضراء (ظلال العيون والكحل) كانت البراهين عليها أكثر وفرة من الناحية الأثرية.
ومن مكملات الزواق التي قد تبدو تافهة وغير ضرورية لكنها لها أدوار شمولية في عمليات التجميل مثل الملاعق الصغيرة لخلط المستحضرات والملاوق المسطحة لدهن الوجه بالمساحيق والدبابيس أو المراود المستخدمة في وضع الكحل في العين، فقد عثر على أمثلة منها في عدة مقابر مدفونة مع الموتى. كشف موقع أثري في الدُّوْر في الإمارات العربية المتحدة، يعود تاريخه إلى عام 2000 قبل الميلاد تقريبًا – 200 ميلادية عن سبعة وثلاثين قطعة أثرية يمكن تصنيفها على أنها “دبابيس” وملاوق ومراود.34
يوجد أدلة على أن أدوات الهندمة والتصفيف اليومي مثل الملاقط لنمص الحواجب والشفرات لحلق اللحية كانت تستخدم في شبه الجزيرة العربية مثلما هو موجود في علب حفظ أدوات الهندمة والعناية الشخصية في مصر القديمة. أسفرت التنقيبات الأثرية في وادي السوق عن عدة قطع أثرية معدنية مثل الشفرات على شكل الفيونكة من مستوطنة سمد ومستوطنة الشمل. عُثِرَ على شفرة على شكل مخروطي من نزوى وقد تكون نموذجا متأخراً للشفرات المستخدمة في وادي السوق أو العصر الحديدي المبكر (الشنفاري ووايسجر 1989 الشكل. 2: 4). وهناك أيضاً أغراض بأشكال مشابهة عُثِرَ عليها في ش 102 (فوت وفرانك فوت 1987 شكل. 18: 15-17).35 وفي ساروق الحديد وجد الباحثون عدة أمثلة على ملاقط استخدمها السكان في ذلك الوقت.36

كشفت التنقيبات في مقابر جنائزية في دلمون وتيلوس (حضارات قديمة في البحرين) عن قوارير زجاجية وفخار ومزهريات ومجوهرات وأختام. حظيت البحرين بمكانة كبيرة في التاريخ القديم، حيث كانت مهداً لعدة حضارات عظيمة وجسراً للتواصل بين الحضارات في محيطها ومركزاً للتجارة العالمية أهمها حضارتي دلمون وتايلوس.
إن تماثيل التيراكوتا وألواح النصاب الجنائزية التي ظهرت في القرن الأول قبل الميلاد والقرن الأول بعده في تايلوس تبين التأثر الجَلِّي بالطُرُز الهلنستية والفرثية (البارثية). وضحت الاستكشافات الأثرية عن وجود أدوات تجميل مدفونة في مقابر في تايلوس متمثلة في مكاحل عاجية، وزجاجات للعطور على شكل التمر، وصُليّ (لسحق الأصباغ)، وملاعق صغيرة، ومرايا. ولقد عثروا أيضاً على خرز من زجاج وحجر، مدهنة، حلي للزينة والعديد من القوارير والقنينات لحفظ العطور ومستحضرات التجميل.38
كذلك يشير العدد الهائل للمراهم وأدوات التجميل إلى أن الميت كان يزين بعناية قبل الدفن. كما أنه من الشائع العثور على أنابيب الكحل والأمشاط والمرايا في قبور النساء. وعلى نحو مماثل، تم اكتشاف الكثير من الآنية الزجاجية والتي ملأت بالعطور على الأرجح. وجود تلك الأدوات المستوردة داخل القبور (من مصر والمشرق وبلاد الرافدين) يعد من أفضل الأمثلة التي توضح شبكة البحرين التجارية الدولية في تلك الحقبة.39
من المرجح أن الثريات ونساء صفوة القوم هن الوحيدات في المجتمع آنذاك اللواتي امتلكن القدرة المادية والنفوذ لتوفير هذه الوسائل التحسينية والحاويات متقنة الصنع لحملها، خاصة تلك التي تصنع بحرفية من مواد ثمينة مستوردة من مناطق أخرى في البحر الأبيض المتوسط وإيران وبلاد السند.
أما جنوب شبه الجزيرة العربية (اليمن وعمان) نالت حظها من الاستكشافات والبعثات التنقيبة، حيث أنهم استخرجوا مجموعة صغيرة مكونة من 25 قطعة تعود تقريباً إلى الفترة بين القرنين الرابع إلى السادس ق.م والقرنين الثالث والرابع الميلادي. إحدى تلك القطع استخرجت من موقع سكني في خور روري وكانت عبارة عن ثلاثة أوعية كلسية بها حيزات أو تجويفات وكان مغزاها هو أنها تستخدم لحفظ مستحضرات التجميل لأن إحداهم كانت بداخلها بقع داكنة وشكلها الخارجي يشبه أوعية حفظ مستحضرات التجميل التقليدية في اليمن (مصبرة). ووجدوا أيضاً قارورة لها عنق طويل لحفظ الدهن (ألاباسترون) كانت على الأغلب تستخدم لحفظ الزيوت العطرية والطيب.40


على عكس الوفرة في مجموعات علب حفظ مستحضرات التجميل المكتشفة والتي تحوي بداخلها أدوات الهندمة والأدهان والعطور ومساحيق الوجه الملونة المستخدمة في الحضارات المجاورة مثل بلاد ما بين النهرين ومصر وإيران وروما واليونان، لم تُكْتَشَف العديد من علب حفظ الزينة ومستحضرات التجميل التي كانت موجودة في شبه الجزيرة العربية. وحتى إن وجدوا، فكانوا متهالكين أو في حالات يصعب ترميمها. وإن وجدت علبة كاملة سليمة، تجدها خاوية من محتوياتها، مما يعرقل عمل الباحثين في فهم أنواع مساحيق التجميل المستخدمة آنذاك وإعادة ترميم وسائل الزينة والتجميل التي اتبعتها العربيات منذ قديم الزمان.
فحضارة أم النار مثلاً اكتشف فيها بعض علب التخزين بغطاء وعلب حفظ الحلي من الكلوريت من 2600 – 2000 ق.م. ويوجد على سطح علب الكلوريت نوع من الزخرفة الفريدة على شكل دوائر وعلى الأغلب يبدو أنها مستوردة من حضارة وادي السند أو باختريا أو أنها تقليد محلي لطرز الزخرفة الباختريانية أو السندية.
أسفرت التنقيبات عن بقايا قطع علبة تحفظ مستحضرات تجميلية من العاج من مدافن موقع الشاخورة تعود للعصر الأول الميلادي أو العصر الأول قبل الميلاد. وعثروا أيضاً على صندوق لحفظ الحلي من العظم من منطقة قرية الفاو يعود إلى القرن الثالث ق.م ــ القرن الثالث ب.م.41 بجانب أواعي الحفظ، كانت تُصنع الصُليّ (جمع صلاية) لدق وخلط المساحيق التجميلية من المواد المحلية المتوفرة. لكني لم أعثر على مثال أركيولوجي ملموس حتى الآن.

تايلوس الوسيطة، القرن الأول ق.م. القرن الأول م. 42
يبدو أن معظم التقاليد التجميلية التي اتبعها المستوطنون في مختلف المستقرات العربية كانت شبه متماثلة في أسلوبها وأدواتها لكنها اختلفت حسب المواد المحلية المتوفرة والمكانة الاجتماعية-المادية أو التأثير والبعد الجغرافي من الحضارات المحيطة بهم. فالطرق التجارية التي ربطت جزيرة العرب بمحيطها في الشام وبلاد مابين النهرين ومصر وشرق أفريقيا والقارة الهندية وإيران، عملت على إثراء المعرفة الثقافية وتبادل المؤثرات الأجنبية فيما يتعلق بالزواق ومظاهر التجميل. كان العرب على صلة بكل هذه الحضارات مما وسع في مداركهم ومخيلاتهم الفكرية وتعلموا منهم تقنيات اسغلال المواد الأولية وطرق تحضيرها وطوعوها مما يناسب ذوقهم ومعتقداتهم وطبيعتهم.
مازالت المرأة العربية تحافظ على الكثير من موروثاتها الثقافية الجمالية وتمارس طقوس تجميلية لتحسن من مظهرها في كل وقت وحين منذ بزوغ التاريخ وفي العصور العتيقة والوسيطة وحتى الحديثة.
- Strabo, Geography, H.C. Hamilton, Esq., W. Falconer, M.A., Ed. Book XVI, Chapter IV. ↩︎
- Gansell, Amy. (2014). Images and Conceptions of Ideal Feminine Beauty in Neo-Assyrian Royal Contexts, c. 883–627 BCE. 10.1515/9781614510352.391. ↩︎
- Hardy, A., & Rollinson, G. (2009). Green eye cosmetics of antiquity. Pharmaceutical historian, 39(1), 2–7. ↩︎
- The art of adornment and make-up in the ancient civilizations of Mesopotamia and the old country of Yemen as a model. (2022). Al-Academy, 106, 149-166 ↩︎
- Hoyland, Robert G. Arabia and the Arabs: From the Bronze Age to the Coming of Islam. Routledge, 2001. ↩︎
- Hoyland, Robert G. Arabia and the Arabs: From the Bronze Age to the Coming of Islam. Routledge, 2001. ↩︎
- Potts, D.T. (2000). Ancient Magan: The Secrets of Tell Abraq. ↩︎
- MASIA, K. (2000). Pigment shells from Sharm. Arabian Archaeology and Epigraphy, 11(1), 22–23. https://doi.org/10.1111/J.1600-0471.2000.AAE110104.X ↩︎
- Hardy, A., & Rollinson, G. (2009). Green eye cosmetics of antiquity. Pharmaceutical historian, 39(1), 2–7. ↩︎
- Quick, Laura. (2019). Decorated Women: A Sociological Approach to the Function of Cosmetics in the Books of Esther and Ruth. Biblical Interpretation.27.354-371.10.1163/15685152-00273P03. ↩︎
- Bimson, M. (1980). Cosmetic Pigments from the “Royal Cemetery” at Ur. Iraq, 42(1), 75–77. https://doi.org/10.2307/4200116 ↩︎
- Hardy, A., & Rollinson, G. (2012). Two green cosmetics of ancient Egypt?. Pharmaceutical historian, 42(1), 8–10. ↩︎
- Scott, D. A. (2016). A review of ancient Egyptian pigments and cosmetics. Studies in Conservation, 61(4), 185–202.
https://doi.org/10.1179/
2047058414Y.0000000162 ↩︎ - GIMÉNEZ, Javier. EGYPTIAN BLUE AND/OR ATACAMITE IN AN ANCIENT EGYPTIAN COFFIN.Dept. Chemical Engineering (Analytical Chemistry), Universitat Politècnica de Catalunya (UPC), Avda. Diagonal 647. 08028-Barcelona, Spain ↩︎
- On the making and provenancing of pigments from the Early Dynastic Royal Tombs of Ur, Mesopotamia / Andreas Hauptmann; Sabine Klein; Richard Zettler; Ursula Baumer; Patrick Dietemann, Hauptmann, Andreas ; Klein, Sabine ; Zettler, Richard ; Baumer, Ursula ; Dietemann, Patrick Metalla: Forschungsberichte des Deutschen Bergbau-Museums, 2016 ↩︎
- Potts, D.T. (2000). Ancient Magan: The Secrets of Tell Abraq. ↩︎
- D.T. Potts. 2000. Ancient Magan – The Secrets of Tell Abraq. Trident Press, London. p.98. ↩︎
- Stroszeck, J. (2012). Grave Gifts in Child Burials in the Athenian Kerameikos: The Evidence of Sea Shells. In A. Hermary & C. Dubois (eds.).The Child and Death in Antiquity III. Material Associated with Children’s Graves (1‑). Publications du Centre Camille Jullian. ↩︎
- Marianne E. Bergeron, « Death, gender, and sea shells in Carthage », Pallas [En ligne], 86 | 2011, mis en ligne le 30 octobre 2011. ↩︎
- Coastal-hinterland exchange during the Late Bronze Age and the Early Iron Age across the northern Ḥajar mountains: the case of marine shells at Masāfī 5 (Emirate of Fujairah, United Arab Emirates) ↩︎
- د. رافع محيميد حراشة، موقع ساروق الحديد الأثري في إمارة دبي صورة من حضارة الألف الأول قبل الميلاد- صورة من حضارة الألف قبل الميلاد، الطبعة الأولى ٢٠١٩مـ ↩︎
- Makkawi, Nasir& Zibari, Aziz. 2018. Cosmetic materials and paraphernalia in ancient Iraq. Magazine of Historical Studies and Archaeology،Vol. 2018, no. 64. ↩︎
- Schaffer, S. E. (2007). Reading our Lips: The History of Lipstick Regulation in Western Seats of Power. Food and Drug Law Journal, 62(1), 165–225. ↩︎
- Bimson, M. (1980). Cosmetic Pigments from the “Royal Cemetery” at Ur. Iraq, 42(1), 75–77. https://doi.org/10.2307/4200116 ↩︎
- Eskandari, N., De Carlo, E., Zorzi, F. et al. A Bronze Age lip-paint from southeastern Iran. Sci Rep 14, 2670 (2024). https://doi.org/10.1038/s41598-024-52490-w ↩︎
- ریاض, زینب. (2022). المغرة الحمراء بین العادات والمعتقدات فی مصر وأفریقیا خلال العصور القدیمة. حولية الاتحاد العام للآثاريين العرب دراسات فى آثار الوطن العربى ↩︎
- Binous, H. (2006). Combined technique analysis of the composition of Punic make-up materials. Applied Physics A. ↩︎
- https://www.nm.gov.om/collection/
gift/archaeological-findings ↩︎ - Fatema Soudavar Farmanfarmaian. (2000). “Haft Qalam Ārāyish”: Cosmetics in the Iranian World. Iranian Studies, 33(3/4), 285–326. ↩︎
- Holakooei, Parviz & Karimy, Amir-Hossein & Piovesan, Rebecca & Hoseinzadeh, Javad & Javeri, Mohsen & Antonelli, Fabrizio & Maritan, Lara. (2022). Makeup in the grave: scientific analysis of contents of the so-called kohl pots at the archaeological site of Estark–Joshaqan, central Iranian plateau. Archaeological and Anthropological Sciences. 14. 10.1007/s12520-022-01511-8. ↩︎
- On the making and provenancing of pigments from the Early Dynastic Royal Tombs of Ur, Mesopotamia / Andreas Hauptmann; Sabine Klein; Richard Zettler; Ursula Baumer; Patrick Dietemann, Hauptmann, Andreas ; Klein, Sabine ; Zettler, Richard ; Baumer, Ursula ; Dietemann, Patrick Metalla: Forschungsberichte des Deutschen Bergbau-Museums, 2016 ↩︎
- Borgi, Federico & Maini, Elena & Cattani, Maurizio & Maurizio,. (2012). The early settlement of HD-5 at RaΜs al-Hadd, Sultanate of Oman (fourth-third millennium BCE). ↩︎
- Degli Esposti, M., Lotti, P., Crippa, G., Diego Gatta, G. and Zerboni, A. (2025), A First Glance at Pre-Islamic Pigments in Shells From Salūt (Sultanate of Oman). Arabian Archaeology and Epigraphy. ↩︎
- Delrue, P. (2008). Archaeometallurgical analyses of pre-Islamic artifacts from ed-Dur (Emirate of Umm al-Qaiwain, U.A.E.). Ghent University. Faculty of Arts and Philosophy, Ghent, Belgium. ↩︎
- Carter, Robert, 1997. Defining the Late Bronze Age in Southeast Arabia: Ceramic evolution and settlement during the second millennium BC, Vol. 1, Ph.D dissertation, Institute of Archeology, University College London. ↩︎
- د. رافع محيميد حراشة، موقع ساروق الحديد الأثري في إمارة دبي صورة من حضارة الألف الأول قبل الميلاد- صورة من حضارة الألف قبل الميلاد، الطبعة الأولى ٢٠١٩مـ ↩︎
- Tylos, The Journey Beyond Life: Rituals and Funerary Traditions in Bahrain (2nd century BC – 3rd century AD) ↩︎
- Andersen, S. F., & Salman, M. I. (2006). The Tylos burials in Bahrain. Proceedings of the Seminar for Arabian Studies, 36, 111–124. ↩︎
- Tylos, The Journey Beyond Life: Rituals and Funerary Traditions in Bahrain (2nd century BC – 3rd century AD) ↩︎
- Ancient South Arabian softstone vessels in the British Museum. ↩︎
- دلیل معرض طرق التجارة القديمة، روائع آثار المملكة العربية السعودية، باريس متحف اللوفر، ١٤ يوليو – ۲۷ سبتمبر ۲۰۱۰ ↩︎
- Highlights from the National Museum of Bahrain (2nd mill. BC – 3rd cent. AD) ↩︎
اكتشاف المزيد من لغاتيزم
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



